ابن عجيبة

104

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بالشرك وغيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، وهذه مبالغة أخرى في قطع أطماعهم ، وتعريض لهم بأنهم عصاة ، مستوجبون للعذاب ، مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ ذلك العذاب ، يَوْمَئِذٍ أي : يوم القيامة ، فَقَدْ رَحِمَهُ أي : نجاه ، وأنعم عليه ، وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ أي : وذلك الصرف أو الرحمة هو الفلاح المبين . ثم ذكر حجة أخرى على استحقاقه للعبادة والولاية ، فقال : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ كمرض أو فقر ، فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ؛ إذ لا يقدر على صرفه غيره ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ؛ بنعمة ، كصحة وغنى ومعرفة وعلم ، فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، فهو قادر على حفظه وإدامته ، ولا يقدر أحد على دفعه ، كقوله تعالى : فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ « 1 » ، وَهُوَ الْقاهِرُ لجميع خلقه ؛ كلهم في قبضته ، فَوْقَ عِبادِهِ بهذه القهرية والغلبة والقدرة ، وَهُوَ الْحَكِيمُ في صنعه وتدبيره ، الْخَبِيرُ بخفايا أمور عباده ، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم الباطنة والظاهرة . الإشارة : في الآية حضّ على محبة الحق ، وولايته على الدوام ، ورفض كل ما سواه ممن عمّه الفقر من الأنام ، وفيها أيضا : حث على المسابقة إلى الخيرات ، والمبادرة إلى الطاعات ، اقتداء بسيد أهل الأرض والسماوات ، فكان - عليه الصلاة السلام - أول من عبد اللّه ، وأول من توجه إلى مولاه ، قال تعالى : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ « 2 » ، فلو جاز أن يتخذ ولدا ، لكنت أنا أولى به ، لأنى أنا أول من عبده . قال الورتجبي : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أي : أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون - حيث لم يكن غيرى في الحضرة - أن أكون أول الخلق في المحبة والعشق والشوق ، وأول الخلق له منقادا بنعت محبتي له ، راضيا بربوبيته ، غير منازع لأمر مشيئته . وقال بعضهم : أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر . ه . ولما قالت قريش للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يا محمد : لقد سألنا عنك اليهود والنصارى ، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة ، فأرنا من شهد لك ؟ أنزل اللّه تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 19 ] قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 19 ) قلت : ( قل اللّه شهيد ) : يحتمل المبتدأ والخبر ، أو يكون ( اللّه ) خبرا عن مضمر ، أو مبتدأ حذف خبره ، و « شهيد » : خبر عن مضمر ، أي : قل هو اللّه ، أو اللّه أكبر شهادة ، وهو شهيد بيني وبينكم ، و ( من بلغ ) : عطف على مفعول ، « أنذر » ، أي : لأنذركم يا أهل مكة ، وأنذر من بلغه القرآن ، وحذف مفعول ( بلغ ) .

--> ( 1 ) من الآية : 107 من سورة يونس . ( 2 ) من الآية : 81 من سورة الزخرف .