ابن عجيبة
105
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد للذين سألوك من يشهد لك بالنبوة : أَيُّ شَيْءٍ عندكم هو أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ فإن لم يجيبوا فقل لهم : هو اللَّهُ ؛ فإنه أكبر الشاهدين ، وهو الذي يشهد لي بالنبوة والرسالة ؛ بإقامة البراهين وإظهار المعجزات ، وهو شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وكفى به شهيدا . وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ أي : لأخوّفكم به ، إن أعرضتم عنه ، وأبشّركم به إن آمنتم به ، واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة ؛ لأنه مصرح به في موضع آخر ، ولأن الأهم هنا هو الإنذار ؛ لغلبة الكفر حينئذ ، وأنذر به أيضا كل من بلغه القرآن من الأحمر والأسود ، والجن والإنس إلى يوم القيامة . وفيه دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت النزول ومن بعدهم ، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه ، وهو نادر ، قال سعيد بن جبير : ( من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ) . الإشارة : في الآية حث على الاكتفاء بعلم اللّه ، والاستغناء به عما سواه ، وعلامة الاكتفاء بعلم اللّه ثلاث : استواء المدح والذم ، والرضى بالقليل والكثير ، والرجوع إلى اللّه وحده في السراء والضراء . واعلم أن الحق تعالى إذا شهد لك بالخصوصية ، ثم اكتفيت بشهادته فأنت من أهل الخصوصية ، وإن لم تكتف بشهادته ، وتطلعت إلى أن يعلم الناس بخصوصيتك ، فأنت كاذب في دعوى الخصوصية . واطلاع الحق تعالى على ثبوت خصوصيتك هو شهادته لك ، فاقنع بعلم اللّه ، ولا تلتفت إلى أحد سواه ، لئلا ينزعها من قلبك ، حيث لم تقنع بعلم اللّه فيك . وبالله التوفيق . ولمّا أتى قوم من الكفار إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : يا محمد ؛ أما تعلم أن مع اللّه إلها آخر ؟ أنزل اللّه تعالى : أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ قلت : الاستفهام للإنكار والتوبيخ . يقول الحق جل جلاله ، في الإنكار على المشركين : أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى تستحق أن تعبد قُلْ لهم يا محمد : أنا لا أَشْهَدُ بما تشهدون به ، قُلْ لهم : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ؛ بل أشهد ألا إله إلا هو ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ به من الأصنام .