ابن عجيبة
103
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : إذا علم العبد أن الخلق كلهم في قبضة اللّه ، وأمورهم كلها بيد اللّه ، أحاط بهم علما وسمعا وبصرا ، لم يبق له على أحد عتاب ، ولا ترتيب خطأ ولا صواب ، إلّا ما أمرت به الشريعة على ظاهر اللسان . بل شأنه أن ينظر إلى ما يفعل المالك في ملكه ، فيتلقاه بالقبول والرضى ، وفي الحكم : « ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره اللّه فيه » ، هذا شأن أهل التوحيد ؛ يدورون مع رياح الأقدار حيثما دارت ، غير أنهم يتحنّنون بقلوبهم إلى رحمة الكريم المنان ، وينهضون بهمتهم إلى مظانّ السعادة والغفران ، ويرجون منه الجمع عليه في روح وريحان ، وجنة ورضوان ، بمحض فضل منه وإحسان . جعلنا اللّه منهم بفضله وكرمه . آمين . ثم أقام الحجة على أهل الشرك ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 14 إلى 18 ] قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) قلت : ( فاطر ) : نعت للّه ، ومعناه : خالق ومبدع . قال ابن عباس رضى اللّه عنه : ( ما كنت أعرف معنى فاطر ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها بيدي ) . وجملة : ( وهو يطعم ) : حال ، وقرىء بعكس الأول ؛ ببناء الأول للمفعول ، والثاني للفاعل ، على أن ضمير ( هو ) راجع لغير اللّه ، وببنائهما للفاعل ؛ على معنى يطعم تارة ، ويمنع أخرى ، كقوله : يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ « 1 » ، وجملة ( إن عصيت ) : معترضة بين الفعل والمفعول ، والجواب : محذوف دل عليه ما قبله ، أي : إن عصيت فإني أخاف عذاب يوم عظيم . يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم يا محمد : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا أي : معبودا أواليه بالعبادة والمحبة ، وأشركه مع اللّه الذي أبدع السماوات والأرض ، وَهُوَ الغنى عما سواه ، الصّمدانى ، يُطْعِمُ عباده ولا يُطْعِمُ ولا يحتاج إلى من يطعمه ، فهو يرزق ولا يرزق ، وتخصيص الطعام ؛ لشدة الحاجة إليه . قُلْ لهم : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، وأنقاد بكلّيتى إلى هذا الإله الحقيقي ، الغنى بالإطلاق ، وأرفض كل ما سواه ، ممن عمّه الفقر ابتداء ودواما . فكان عليه الصلاة والسلام هو أول سابق إلى الدين . ثم قيل له : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ؛ تنفيرا لغيره من الشرك ، وإلّا فهو مبرّأ منه - عليه الصلاة والسلام - .
--> ( 1 ) من الآية : 245 من سورة البقرة .