ابن عجيبة

102

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : قُلْ للمشركين يا محمد : لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا ؟ . قُلْ لهم هو : لِلَّهِ لا لغيره ، والقصد بالآية : إقامة البرهان على التوحيد وإبطال الشرك . وجاء ذلك بصيغة الاستفهام ؛ لإقامة الحجة على الكفار ، فسأل أولا ، ثم أجاب عن سؤاله بنفسه ؛ لأنّ الكفار يوافقون على ذلك ضرورة ، فثبت أن الإله الحق هو الذي له ما في السماوات والأرض ، وإنما يحسن أن يكون السائل مجيبا إذا علم أن خصمه لا يخالفه في الجواب الذي يقيم به الحجة عليه . ثم دعاهم إلى الإيمان والتوبة بتلطّف وإحسان فقال : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ؛ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » كما في الآية الأخرى ، والكتابة هنا عبارة عن القضاء السابق ، وقد فسرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « إنّ اللّه كتب كتابا قبل أن يخلق السّموات والأرض فهو عنده » وفيه : « أنّ رحمتي سبقت غضبى » « 2 » وفي رواية : « تغلب غضبى » « 3 » . قال البيضاوي : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي : التزمها تفضلا وإحسانا ، والمراد بالرحمة : ما يعمّ الدارين ، ومن ذلك : الهداية إلى معرفته ، والعلم بتوحيده ، بنصب الأدلة ، وإنزال الكتب والإمهال على الكفر . ه . ثم ذكر محل ظهور هذه الرحمة ، فقال : واللّه لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي : ليجمعنكم من القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيجازى أهل التوبة والإيمان ، ويعاقب أهل الشرك والكفران ، لا رَيْبَ في ذلك اليوم ، أو في ذلك الجمع ، فيظهر أهل الخسران من أهل الإحسان ، ولذلك قال : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتضييع رأس مالهم ، وهو النظر الصحيح الموجب للإيمان والتوحيد فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ حتى أدركهم الموت ؛ فلا خسران أعظم من ذلك . ودخلت الفاء في الخبر ؛ للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبّب عن خسرانهم ؛ فإن إبطال النظر ، والانهماك في التقليد واتباع الوهم ، أدّى بهم إلى الإصرار على الكفر ، والامتناع من الإيمان إلى الممات . فخسروا أولا بتضييع النظر ، فتسبب عنه عدم الإيمان . ثم تمم جوابه فقال : وَلَهُ ما سَكَنَ أي : قل لهم : ما في السماوات والأرض للّه ، وله أيضا ما سكن فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي : ما استقر فيهما وما اشتملتا عليه ، أو ما سكن فيهما وتحرك ، وَهُوَ السَّمِيعُ لكل مسموع ، الْعَلِيمُ بكل معلوم ؛ فلا يخفى عليه شئ في الليل والنهار ، في جميع الأقطار .

--> ( 1 ) الآية 54 من السورة نفسها . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( التوحيد ، باب قول اللّه تعالى : « وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ » ) من حديث أبي هريرة . ( 3 ) أخرجها البخاري في ( التوحيد ، باب قوله تعالى « وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ » ) * ومسلم في ( التوبة ، باب : في سعة رحمة اللّه ) من حديث أبي هريرة .