ابن عجيبة

99

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإيمان وما فعلوا مع أنبيائهم ، وتارة يذكرهم النعم التي أنعم اللّه على أسلافهم ، فقال تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 40 إلى 43 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 ) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) قلت : ( إسرائيل ) : هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهم الصلاة والسلام - وهو اسم عجمي ، وبنو تميم تقول : « إسرائين » بالنون ، ( وإسرا ) بالعبرانية : عبد ، و ( إيل ) : اسم اللّه تعالى ، فمعناه : عبد اللّه ، وبنو إسرائيل : هم أولاد يعقوب عليه السّلام ، و ( بعهدي ) من إضافة المصدر إلى فاعله ، و بِعَهْدِكُمْ إلى مفعوله ، و ( إياي ) منصوب بفعل مضمر ، يقدر مؤخرا . أي : إياي ارهبوا فارهبون . وحذف مفعول ( ارهبون ) لرءوس الآي ، وكذا قوله : ( وإياي فاتقون ) ، والرهبة : خوف مع تحرّز ، و ( تكتموا ) : معطوف على ( تلبسوا ) ، أو منصوب بأن مضمرة بعد النهى ، و ( أنتم تعلمون ) : جملة حالية . يقول الحق جل جلاله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ التي خصصتكم بها ، بأن فضلتكم على أهل زمانكم ، وجعلت فيكم أنبياء ورسلا ، كلما انقرض نبي بعثت نبيّا آخر ، وجعلتكم ملوكا وحكاما على الناس ، قبل أن تفسدوا في الأرض بقتل الأنبياء ، فتكفروا بهذه النعم ، فإن الإنسان حسود غيور بالطبع ، فإذا نظر إلى ما أنعم اللّه على غيره حمله الحسد والغيرة على السخط والكفران ، وإذا نظر إلى ما أنعم اللّه به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر . فاذكروا ما أنعمت به عليكم ، وقيدوه بالشكر ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِي الذي عهدت إليكم ، وهو أنكم إن أدركتم محمدا صلى اللّه عليه وسلّم لتؤمنن به ولتنصرنه ، ولتبينن صفته التي في كتابكم ، ولا تكتمونها ، أُوفِ بِعَهْدِكُمْ بأن أدخلكم جنتي ، وأبيح لكم النظر إلى وجهي ، وأحل عليكم رضواني في جملة عبادي ، ولا ترهبوا أحدا غيرى ، فإنه لا فاعل غيرى . وبادروا إلى الإيمان بِما أَنْزَلْتُ على محمد رسولي ، من كتابي ، الذي هو مصدق لِما مَعَكُمْ من التوراة ، ومهيمن عليه ، وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ فريق كافِرٍ بِهِ ، فتبوءوا بإثمكم وإثم من تبعكم ، ولا تستبدلوا الإيمان الذي هو سبب الفوز في الدارين ، بالعرض الفاني الذي تأخذونه من سفلتكم ، فإنه ثمن قليل يعقبه عذاب جليل وخزى كبير . ولا تخشوا أحدا سواي ؛ فإن النفع والضرر بيدي ، ولا تخلطوا الْحَقَّ الذي هو ذكر