ابن عجيبة
100
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
محمد صلى اللّه عليه وسلّم وصفته التي في كتابكم ، بِالْباطِلِ الذي تريدونه تحريفا وتأويلا ، وَ لا تَكْتُمُوا الْحَقَّ الذي عندكم ؛ من ذكر محمد وصحة رسالته ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنكم محرفون ، ولابسون عنادا وحسدا ، فيحل عليكم غضبى وعقابي ، وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى . فإذا حصلتم أصول الدين ، وهو الإيمان ، فاشتغلوا بفروعه ، وهي الصلاة والزكاة وغيرهما ، فأدوهما على منهاج المسلمين . واجعلوا صلاتكم في جماعة المؤمنين ؛ فإنّ صلاة الجماعة تفضل غيرها بسبع وعشرين درجة ، مع سريان الأسرار واقتباس الأنوار من الصالحين والأبرار ، وباللّه التوفيق . الإشارة : إذا توجّه الخطاب إلى طائفة مخصوصة ، حمله أهل الفهم عن اللّه على عمومه لكل سامع ، فإن الملك إذا عاتب قوما بمحضر آخرين ، كان المراد بذلك تحذير كل من يسمع ، فكأن الحق جل جلاله يقول : يا بني آدم اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، وتفكروا في أصولها وفروعها ، واشكروني عليها بنسبتها إلىّ وحدى ، فإنه لا منعم غيرى ، فمن شكرنى شكرته ، ومن فيض إحسانى وبرى مددته ، ومن كفر نعمتي سلبته ، وعن بابى طردته ، وأوفوا بعهدي بالقيام بوظائف العبودية ، أوف بعهدكم بأن أطلعكم على أسرار الربوبية . أو : أوفوا بعهدي بالقيام برسوم الشريعة ، أوف بعهدكم بالهداية إلى منار الطريقة ، أو : أوفوا بعهدي بسلوك منهاج الطريقة ، أوف بعهدكم بالإيصال إلى عين الحقيقة ، أو : أوفوا بعهدي بالاستغراق في بحر الشهود ، أوف بعهدكم بالترقي أبدا إلى الملك الودود ، وخصونى بالرهب والرغب ، وتوجهوا إلىّ في كل سؤال وطلب ، أعطف عليكم بعنايتى وودى ، وأمنحكم من عظيم إحسانى ورفدى ، وآمنوا بما أنزلت على قلوب أوليائي ، من مواهب أسرارى وآلائي ، تصديقا لما أتحفت به رسلي وأنبيائي ، فكل ما ظهر على الأولياء فهو معجزة للأنبياء وتصديق لهم ، ولا تبادروا بالإنكار على أوليائي ، فتكونوا سببا في طرد عبادي عن بابى ، ولا يمنعكم حب الرئاسة والجاه عن الخضوع إلى أوليائي ، ولا ترقبوا أحدا غيرى ، فإني أمنعكم من شهود سرى . ولا تلبسوا الحق بالباطل ، فتظهروا شعار الصالحين وتبطنوا أخلاق الفاسقين ، تتزيوا بزى الأولياء ، وتفعلوا فعل الأغوياء ، وإذا تحققتم بخصوصية أحد من عبادي ، فلا تكتموها عن أهل محبتي وودادي ، وأقيموا صلاة القلوب بالخضوع تحت مجارى الأقدار ، وأدوا زكاة النفوس بالذل والانكسار ، وكونوا مع الخاشعين ، واركعوا مع الراكعين ، أمنحكم معونتى ونصرى ، وأفيض عليكم من بحر إحسانى وبرى ، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى . ثم وبّخ الحق تعالى من عرف الحق وحرم نفسه منه من أهل الكتاب وغيرهم ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 44 ] أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) قلت : البر ، بالكسر : يجمع وجوه الخير وأنواع الطاعات ، والنسيان : الترك .