ابن عجيبة

98

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( إن ) : شرط ، و ( ما ) زيدت لتقوية الشرط ، ولذلك دخلت نون التوكيد ، وعبر بأن دون ( إذا ) ، مع تحقق مجيئ الهدى ؛ لأنه غير واجب عقلا ، وجملة الشرط الثاني وجوابه ، الشرط الأول ، و ( جميعا ) حال مؤكدة ؛ أي : اهبطوا أنتم أجمعون ، ولذلك لا يقتضى اجتماعهم على الهبوط في زمان واحد . ولما أمر الحق جلا جلاله آدم أولا بالهبوط من الجنة ، جعل يبكى ويتضرع ويقول : ألم تخلقني بيدك ؟ ألم تسجد لي ملائكتك ؟ ألم تدخلني جنتك ؟ ثم ألهم الكلمات التي تلقاها من ربه ، فتاب عليه ورحمه ، فطمع آدم حين سمع من ربه قبول توبته في البقاء في الجنة ، فقال له الحق جل جلاله : يا آدم لا يجاورني من عصاني ، وقد سبقت كلمتي بهبوطك إلى الأرض لتكون خليفتي بذريتك ، فكرر عليه الأمر بالهبوط ثانيا . فقال : اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما . فمهما يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً أي : بيان وإرشاد إلى توحيدي ومعرفتي ، على يد رسول أو نائب عنه ، فَمَنْ تَبِعَ ذلك الإرشاد ، واهتدى إلى معرفتي وتوحيدي ، وعمل بطاعتي وتكاليفى ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من فوات محبوب ، لأنى أصرف عنهم جميع المكاره ، وأجلب لهم المنافع ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على قدرتنا المنزلة على رسلنا ، واستكبروا عن النظر فيها ، أو عن الخضوع لمن جاء بها ، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . الإشارة : إذا سكنت الأرواح في عشّ الحضرة ، وتمكنت من الشهود والنظرة ، أمرها الحق تعالى بالنزول إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ ، فتنزل بالإذن والتمكين ، والرسوخ في اليقين ، لا لطلب جزاء أو لقضاء شهوة ، بل تنزل باللّه ومن اللّه وإلى اللّه ، فمن نزل منها على هذا الهدى الحسن فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، ومن ركب بحر التوحيد مع غير رئيس عارف ، ولم يأو إلى سفينة الشريعة ، واستكبر عن الخضوع إلى تكاليفها لعبت به الأمواج ، فكان من المغرقين . أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ؛ لأن من تحقق ولم يتشرع فقد تزندق ، ومن تشرع ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق ، جعلنا اللّه ممن تحقق بهما . وسلك على منهاجهما إلى الممات ، آمين . ولما ذكر الحق تعالى شرف كتابه ، ونفى وجود الريب عن ساحته ، ثم دعا إلى توحيده ، ويرهن على وجوده ، بابتداء خلق العالم من عرشه إلى فرشه ، وذكر كيفية ابتداء عمارته ، خاطب بني إسرائيل ؛ لأنهم أهل العلم بالأخبار المتقدمة ، وقد سمعوا هذه الأخبار من نبي أمّى لم يعهد بقراءة ولا تعلم ، فقامت الحجة عليهم ، وتحققوا أنه من عند اللّه . وما منعهم من الإسلام إلا الحسد وحب الرئاسة ، فلذلك أطال الحقّ الكلام معهم ، تارة يقرّعهم على عدم