ابن عجيبة
92
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : كيف تنكرون ظهور نور الحق في الأكوان ، وتبعدون عن حضرة الشهود والعيان ، وقد كنتم أمواتا بالغفلة وغم الحجاب ، فأحياكم باليقظة والإياب ، ثم يميتكم بالفناء عن شهود ما سواه ، ثم يحييكم بالرجوع إلى شهود أثره باللّه ، ثم إليه ترجعون في كل شئ لشهود نوره في كل شئ ، وقبل كل شئ ، وبعد كل شئ ، وعند كل شئ « كان اللّه ولا شئ معه ، وهو الآن على ما عليه كان » . ولمّا ذكر نعمة الإيجاد أتبعها بنعمة الإمداد ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) قلت : جَمِيعاً حال مؤكدة من ما ، و ثُمَّ للترتيب الذكرى لا الخارجي « 1 » ؛ لأن دحو الأرض مؤخر عن خلق السماء ، إلا أن يكون العطف على معنى الجملة ، والتقدير : هو الذي خلق لكم الأرض مشتملة على جميع منافعكم ، ثم استوى إلى السماء فخلقهن سبعا ، ثم دحا الأرض وبسطها . والتسوية : خلق الأشياء سالمة من العوج والخلل ، و ( سبع ) : بدل من الضمير ، أو بيان له ، وجملة وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعليل لما قبله . أي : ولكونه عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع . يقول الحق جل جلاله على لسان الواسطة : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لأجلكم ما استقر فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً تنتفعون به في الظاهر قوتا لأشباحكم ، ودواء لأبدانكم ، ومتعة لنفوسكم ، وتنتفعون به في الباطن بالتفكر والاعتبار ، وزيادة في إيمانكم وقوة لإيقانكم ، ثم قصد إِلَى السَّماءِ قصد إرادة ، فخلقهن سَبْعَ سَماواتٍ مستوية تامة ، ليس فيها تفاوت ولا خلل ، تظلكم بجرمها ، وتضيء عليكم بشمسها وقمرها وكواكبها ، وقد أحاط علمه بالأشياء كلها ، فلذلك خلقها على هذا النمط الغريب والإتقان العجيب . الإشارة : يا عبادي خلقت الأشياء كلّها من أجلكم ، الأرض تقلكم ، والسماء تظلكم ، والجهات تكتنفكم والحيوانات تخدمكم ، والنباتات تنفعكم ، وخلقتكم من أجلى ، فكيف تميلون إلى غيرى ، وتنسون إحسانى وبرّى ؟ ! ! الأشياء كلها عبيدكم وأنتم عبيد الحضرة ، « أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن ، فإذا شهدت المكوّن كانت الأكوان معك » .
--> ( 1 ) أي : ترتيب الإخبار ، لا ترتيب الأمر في نفسه .