ابن عجيبة

93

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وفي بعض الكتب المنزلة يقول اللّه تعالى : ( يا عبدي ؛ إنما منحتك صفاتى لتعرفني بها ، فإن ادعيتها لنفسك سلبتك الولاية ، ولم أسلبك صفاتى ، يا عبدي : أنت صفتي وأنا صفتك ، فارجع إلىّ أرجع إليك ، يا عبدي : فيك للعلوم باب مفتاحه أنا ، وفيك للجهل باب مفتاحه أنت ، فاقصد أىّ البابين شئت ، يا عبدي : قربى منك بقدر بعدك عن نفسك ؛ وبعدي عنك بقدر قربك من نفسك ، فقد عرفتك الطريق ، فاترك نفسك تصل إلىّ في خطرة واحدة ، يا عبدي : كل ما جمعك على فهو منى ، وكل ما فرقك عنى فهو منك ، فجاهد نفسك تصل إلىّ ، وإني لغنى عن العالمين ، يا عبدي : إن منحتنى نفسك رددتها إليك راضية مرضية ، وإن تركتها عندك فهي أعظم بلية ، فهي أعدى الأعادى إليك فجاهدها تعد بالفوائد إليك ) . وفي بعض الآثار المروية عن اللّه تعالى : « يا عبدي : أنا بدّك اللازم فالزم بدّك » . « 1 » ويمكن أن يشار بالأرض إلى أرض العبودية ، وبالسماء إلى سماء الحقيقة ، وبالسبع سماوات إلى سبع مقامات ؛ وهي الصبر والشكر والتوكل والرضى والتسليم والمحبة والمعرفة . واللّه تعالى أعلم . ولما ذكر خلق العالم العلوي والسفلى ، ذكر كيفية ابتداء من عمّر العالم السفلىّ من جنس الآدمي ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 30 إلى 33 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 ) لمّا أراد اللّه تعالى عمارة الأرض ، بعد أن عمر السماوات بالملائكة ، أخبر الملائكة بما هو صانع من ذلك ؛ تنويها بآدم وتشريفا لذريته ، وتعليما لعباده أمر المشاورة ، فقال لهم : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يخلفني في أرضى وتنفيذ أحكامى ، قالُوا على وجه الاستفهام ، أو من الإدلال ، إن كان من المقربين ، بعد أن رأوا الجن قد أفسدوا وسفكوا الدماء : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ، وشأن الخليفة الإصلاح ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ، أي : نسبح ملتبسين بحمدك ، وَنُقَدِّسُ لَكَ ، أي : نطهر أنفسنا لأجلك ، أو ننزهك عما لا يليق بجلال قدسك ، فنحن أحق بالخلافة منهم .

--> ( 1 ) أخرجه الديلمي في الفردوس ( 5 / 230 ح 8040 ) عن أنس مرفوعا . ورواه الخطيب في تاريخ بغد 9 اد 742 / 2 وقال : هذا الحديث موضوع المتن .