ابن عجيبة

84

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بُكْمٌ عن النطق به عُمْيٌ عن رؤية نوره ، فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ عن غيهم ، ولا يقصرون عن ضلالتهم . الإشارة : مثل من كان في ظلمات الحجاب قد أحاطت به الشكوك والارتياب ، وهو يطلب من يأخذ بيده ويهديه إلى طريق رشده ، فلما ظهرت أنوار العارفين ، وأحدقت به أسرار المقربين ، حتى أشرقت من نورهم أقطار البلاد ، وحيى بهم جل العباد ، أنكرهم وبعد منهم ، فتصامم عن سماع وعظهم ، وتباكم عن تصديقهم ، وعمى عن شهود خصوصيتهم ، فلا رجوع له عن حظوظه وهواه ، ولا انزجار له عن العكوف على متابعة دنياه ، مثله كمن كان في ظلمات الليل ضالا عن الطريق ، فاستوقد نارا لتظهر له الطريق ، فلما اشتعلت وأضاءت ما حوله أذهب اللّه نورها ، وبقي جمرها وحرها ، وهذه سنة ماضية : لا ينتفع بالولي إلا من كان بعيدا منه . وفي الحديث : « أزهد النّاس في العالم جيرانه » ، وقد مثّلوا الولي بالنهر الجاري كلما بعد جريه عمّ الانتفاع به ، ومثّلوه أيضا بالنخلة لا تظلّ إلا عن بعد . واللّه تعالى أعلم . ثم ضرب لهم مثلا آخر ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 19 إلى 20 ] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) قلت : ( أو ) للتنويع ، أو بمعنى الواو ، و ( الصيب ) : المطر ، فيعل ، من صاب المطر إذا نزل ، وهو على حذف مضاف ، أي : أو كذى صيب ، وأصله : صيوب ، كسيد ، قلبت الواو ياء وأدغمت ، ولا يوجد هذا إلا في المعتل كميت وهين وضيق وطيب . و ( الرعد ) : الصوت الذي يخرج من السحاب ، و ( البرق ) : النور الذي يخرج منه . قال ابن عزيز : روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إنّ اللّه عزّ وجلّ ينشئ السّحاب فتنطق أحسن النطق ، وتضحك أحسن الضحك ، فنطقها الرعد ، وضحكها البرق » . وقال ابن عباس : ( الرعد ملك يسوق السّحاب ، والبرق سوط من نور يزجر به السّحاب ) . ه . والصواعق : قطعة من نار تسقط من المخراق الذي بيد سائق السحاب ، وقيل : تسقط من نار بين السماء والأرض ، واللّه تعالى أعلم .