ابن عجيبة
83
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقسم : سبقت لهم من اللّه الهداية ، وحفتهم الرعاية ، فصدقوا وأقروا ، ولكنهم ضعفوا عن الدخول ، ولم تتعلق همتهم بالوصول ، فبقوا في ضعفاء المسلمين لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ . . . . وقسم : أنكروا وأظهروا وجحدوا وكفروا ، فتجروا وخسروا ، « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب » . وقسم رابع : هم مذبذبون بين ذلك إذا لقوا أهل الخصوصية قالوا : آمنا وصدقنا فأنتم على الجادة ، وإذا رجعوا إلى أهل التمرد من المنكرين - طعنوا وجحدوا ، وقالوا : إنما كنا بهم مستهزئين ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ بما يظهر لهم من صور الكرامات والاستدراجات ، ويمدهم في تعاطى العوائد والشهوات ، وطلب العلو والرئاسات ، متحيرين في مهامه الخواطر والغفلات ، أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ عن طريق الخصوص من أهل الوصول ، بِالْهُدى الذي كان بيدهم ، لو حصل لهم التصديق والدخول ، فما ربحوا في تجارتهم ، وما كانوا مهتدين إلى بلوغ المأمول . قال بعض العارفين : ( التصديق بطريقتنا ولاية ، والدخول فيها عناية ، والانتقاد عليها جناية ) . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم ضرب مثل المنافقين ، زيادة في توبيخهم وتقبيح شأنهم ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 17 إلى 18 ] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) قلت : ( استوقد ) يحتمل أن تكون للطلب ، أو زائدة بمعنى أوقد ، و ( لما ) شرطية ، و ذَهَبَ جواب ، وإذا كان لفظ الموصول مفردا واقعا على جماعة ، يصح في الضمير مراعاة لفظه فيفرد ، ومعناه فيجمع ، فأفرد في الآية أولا ، وجمع ثانيا . ويقال : أضاء يضئ إضاءة ، وضاء يضوء ضوءا . يقول الحق جل جلاله : مثل هؤلاء المنافقين من اليهود كَمَثَلِ رجل في ظلمة ، تائه في الطريق ، فاستوقد نارا ليبصر طريق القصد فَلَمَّا اشتعلت و أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ فأبصر الطريق ، وظهرت له معالم التحقيق ، أطفأ اللّه تلك النار وأذهب نورها ، ولم يبق إلا جمرها وحرها . كذلك اليهود كانوا في ظلمة الكفر والمعاصي ينتظرون ظهور نور النبي صلى اللّه عليه وسلّم ويطلبونه ، فلما قدم عليهم ، وأشرقت أنواره بين أيديهم كفروا به ، فأذهب اللّه عنهم نوره ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ الكفر والشك والنفاق ، لا يُبْصِرُونَ ولا يهتدون ، صُمٌّ عن سماع الحق ،