ابن عجيبة

82

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

نخرج عن ديننا إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بهم ، ومستسخرون بشأنهم . نزلت في عبد اللّه بن أبىّ - رأس المنافقين - كان إذا لقى سعدا قال : نعم الدين دين محمد ، وإذا خلا برؤساء قومه من أهل الكفر ، قال : شدوا أيديكم على دين آبائكم . وخرج ذات يوم مع أصحابه فاستقبلهم نفر من الصحابة - رضوان اللّه عليهم - فقال عبد اللّه لأصحابه : انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم ، فأخذ بيد أبى بكر رضى اللّه عنه فقال : مرحبا بالصدّيق سيد بنى تيم ، وشيخ الإسلام ، وثاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في الغار ، الباذل نفسه وماله لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم أخذ بيد عمر ، فقال : مرحبا بسيد بنى عدى بن كعب ، الفاروق ، القوى في دين اللّه ، الباذل نفسه وماله لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم أخذ بيد علىّ ؛ فقال : مرحبا بابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وختنه « 1 » ، سيد بني هاشم ، ما عدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال على رضى اللّه عنه : يا عبد اللّه ، اتق اللّه ولا تنافق ، فإن المنافقين شرّ خليقة اللّه ، فقال عبد اللّه : مهلا يا أبا الحسن ، أنى تقول هذا ؟ واللّه إن إيماننا كإيمانكم ، وتصديقنا كتصديقكم ، فنزلت الآية « 2 » . ثم رد اللّه تعالى عليهم فقال : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي : يفعل بهم فعل المستهزئ ؛ بأن يفتح لهم بابا إلى الجنة وهم في النار ، ويطلع المؤمنين عليهم ، فيقول لهم : ادخلوا الجنة ، فإذا جاءوا يستبقون إليها وطمعوا في الدخول ، سدّت عليهم ورجعوا إلى النار ، فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ الآية . وَيَمُدُّهُمْ أي : يمهلهم فِي كفرهم ، و طُغْيانِهِمْ يتحيرون إلى يوم يبعثون ؛ لأنهم اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي : استبدلوا بها رأس مالهم ، فضلا عن الربح ، إذ الإيمان رأس المال ، وأعمال الطاعات ربح ، فإذا ذهب الرأس فلا ربح ؛ ولذلك قال تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ، بل خسرت صفقتهم ، وَما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى أسباب الربح أبدا ، لاستبدالهم الهدى - التي هي رأس المال - بالضلالة - التي هي سبب الخسران . وباللّه التوفيق . وهاهنا استعارات وبلاغات يطول سردها ، إذ مرادنا تربية اليقين بكلام رب العالمين . الإشارة : الناس في طريق الخصوص على أربعة أقسام : قسم : سبقت لهم من اللّه العناية ، وهبت عليهم ريح الهداية ، فصدقوا ودخلوا فيها ، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل اللّه ، فتجروا فيه وربحوا ، فعوضهم اللّه تعالى جنة المعارف ، يتبوءون منها حيث شاءوا ، فإذا قدموا عليه أدخلهم جنة الزخارف ، يسرحون فيها حيث شاءوا ، وأتحفهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم .

--> ( 1 ) ختن الرجل : المتزوج بابنته أو بأخته . ( 2 ) سند هذا الأثر واه جدا ، انظر : الفتح السماوي في تخريج أحاديث البيضاوي ، وتنزيه الشريعة المرفوعة .