ابن عجيبة
81
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ، عبّر الحق في هذه الآية ب لا يَعْلَمُونَ وفي الأولى ب لا يَشْعُرُونَ ؛ لأن الفساد في الأرض يدرك بأدنى شعور ، بخلاف الإيمان والتمييز بين الحق والباطل ؛ فيحتاج إلى زيادة تفكر واكتساب علم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : وإذا قيل لأهل الإنكار على أهل الخصوصية ، القاصدين مشاهدة عظمة الربوبية ، قد تجردوا عن لباس العز والاشتهار ، ولبسوا أطمار الذل والافتقار ، آمنوا بطريق هؤلاء المخصوصين ، وادخلوا معهم كي تكونوا من المقربين . قالوا : ( أنؤمن كما آمن السفهاء ) ونترك ما نحن عليه من العز والكبرياء ، قال اللّه تعالى في تسفيه رأيهم وتقبيح شأنهم : ( ألا إنهم هم السفهاء ) ؛ حيث تعززوا بعز يفنى ، وتركوا العز الذي لا يفنى ، قال الشاعر : تذلّل لمن تهوى لتكسب عزّة * فكم عزّة قد نالها المرء بالذّلّ إذا كان من تهوى عزيزا ، ولم تكن * ذليلا له ، فاقر السّلام على الوصل فلو علموا ما في طيّ الذل من العز ، وما في طي الفقر من الغنى ، لجالدوا عليه بالسيوف ، ولكن لا يعلمون . ثم بيّن الحق تعالى ما أضمروه من النفاق وأظهروه من الوفاق ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 14 إلى 16 ] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) قلت : اللقاء : المصادفة بلا قصد ، والخلو بالشيء أو معه : الانفراد به ، ضمنه هنا معنى رجع ، ولذلك تعدّى بإلى ، و ( الشيطان ) فيعال ، من شطن ، إذا بعد ، أو فعلان من شاط ، إذا بطل ، والاستهزاء بالشيء : الاستخفاف بحقه ، والعمة في البصيرة كالعمى في البصر . يقول الحق جل جلاله في وصف المنافقين تقريرا لنفاقهم : إنهم كانوا إِذا لَقُوا الصحابة أظهروا الإيمان ، وإذا رجعوا إِلى شَياطِينِهِمْ أي : كبرائهم المتمردين في الكفر والطغيان ، قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ لم