ابن عجيبة

77

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

القهر والإجبار ، فالواجب عليك أيها العبد أن تكون لك عينان : عين تنظر لحكمتى وشريعتي فتتأدب ، وعين تنظر لقدرتى وحقيقتي فتسلم ، وتكون بين الأمن والرّهب ، فلا تأمن مكرى وإن أمّنتك ، ولا تيأس من حلمى وإن أبعدتك ، فعلمى لا يحيط به محيط ، إلا من هو بكل شئ محيط . الإشارة : إن الذين أنكروا وجود الخصوصية ، وجحدوا أهل مشاهدة الربوبية من أهل التربية النبوية ، لا ينفع فيهم الوعظ والتذكير ، بما سبق لهم في علم الملك القدير ، فسواء عليهم أأنذرتهم وبال القطيعة والحجاب ، أم لم تنذرهم ؛ لعدم فتح الباب ، قد ختم اللّه على قلوبهم بالعوائد والشهوات ، أو حلاوة الزهد والطاعات ، أو تحرير المسائل والمشكلات ، وعلى سمع قلوبهم بالخواطر والغفلات ، وجعل على أبصارهم غشاوة الحجاب ، فلا يبصرون إلا المحسوسات ، غائبون عن أسرار المعاني وأنوار التجليات ، بخلاف قلوب العارفين ، فإنها ترى من أسرار المعاني مالا يرى للناظرين ، وفي ذلك يقول الشاعر : قلوب العارفين لها عيون * ترى مالا يرى للناظرينا وألسنة بأسرار تناجى * تغيب عن الكرام الكاتبينا وأجنحة تطير بغير ريش * إلى ملكوت ربّ العالمينا « 1 » فسبحان من حجب العالمين بصلاحهم عن مصلحهم ، وحجب العلماء يعلمهم عن معلومهم ، واختص قوما بنفوذ عزائمهم إلى مشاهدة ذات محبوبهم ، فهم في رياض ملكوته يتنزهون ، وفي بحار جبروته يسبحون ، لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ . ولما ذكر الحق - جل جلاله - من أعلن بالإنكار ، ذكر من أسرّ بالجحود وأظهر الإقرار ، فقال جل وعلا : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 8 إلى 10 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) قلت : ( من ) موصوفة مبتدأ ، والخبر مقدم ، أي : ومن الناس ناس يقولون كذا ، والمخادعة : إظهار خلاف ما يخفى من المكروه ، وأصل الخدع : الإخفاء ، ومنه المخدع للبيت الذي يخبأ فيه المتاع . وقيل : الفساد لأن المنافقين

--> ( 1 ) تنسب هذه الأبيات للحلاج ، كما تنسب لميمونة السوداء في قصة مع إبراهيم بن أدهم . . راجع كتاب عقلاء المجانين .