ابن عجيبة
62
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
المارّة به ، وقلبت السين صادا لتطابق الطاء في الإطباق ، وقد تشمّ زايا لقرب المخرج ، و ( المستقيم ) : الذي لا عوج فيه ، والمراد به طريق الحق الموصلة إلى اللّه . يقول الحق جل جلاله : معلما لعباده كيف يطلبونه ، وما ينبغي لهم أن يطلبوا ، أي : قولوا ( اهدنا ) أي : أرشدنا إلى الطريق المستقيم ، الموصلة إلى حضرة النعيم ، والطريق المستقيم هو السير على الشريعة المحمدية في الظاهر ، والتبرّى من الحول والقوة في الباطن ، أو تقول : هو أن يكون ظاهرك شريعة وباطنك حقيقة ، ظاهرك عبودية وباطنك حرية ، الفرق على ظاهرك موجود والجمع في باطنك مشهود ، وفي الحكم : « متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره وفي الباطن مستسلما لقهره ، فقد أعظم المنّة عليك » . فالصراط المستقيم الذي أمرنا الحقّ بطلبه هو : الجمع بين الشريعة والحقيقة ، والمفهوم من قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، ولذلك وصله به ، فكأن الحق - سبحانه - يقول : يا عبادي احمدونى ومجدونى وأفردونى بالقصد وخصّونى بالعبادة ، وكونوا في ظاهركم مشتغلين بعبادتي ، وفي باطنكم مستعينين بحولي وقوتى ، أو كونوا في ظاهركم متأدبين بخدمتي ، وفي باطنكم مشاهدين لقدرتى وعظمة ربوبيتى . وقال سيدنا على - كرّم اللّه وجهه - : ( الصراط المستقيم هنا القرآن ) . وقال جابر رضي اللّه عنه : ( هو الإسلام ) يعنى الحنيفية السمحاء ، وقال سهل بن عبد اللّه : ( هو طريق محمد صلى اللّه عليه وسلّم ) . يعنى اتباع ما جاء به . وحاصله ما تقدم من إصلاح الظاهر بالشريعة والباطن بالحقيقة ، فهذا هو الطريق المستقيم الذي من سلكه كان من الواصلين المقربين مع النبيين والصدّيقين . فإن قلت : إذا كان العبد ذاهبا على هذا المنهاج المستقيم ، فكيف يطلب ما هو حاصل ؟ فالجواب : أنه طلب التثبيت على ما هو حاصل ، والإرشاد إلى ما هو ليس بحاصل ، فأهل مقام الإسلام يطلبون الثبات على الإسلام ، الذي هو حاصل ، والترقي إلى مقام الإيمان الذي ليس بحاصل ، على طريق الصوفية ، الذين يخصون العمل الظاهر بمقام الإسلام ، والعمل الباطن بمقام الإيمان ، وأهل الإيمان يطلبون الثبات على الإيمان الذي هو حاصل ، والترقي إلى مقام الإحسان الذي ليس بحاصل ، وأهل مقام الإحسان يطلبون الثبات على الإحسان ، والترقي إلى مالا نهاية له من كشوفات العرفان وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . وقال الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه عنه : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ بالتثبيت فيما هو حاصل ، والإرشاد فيما ليس بحاصل ، ثم قال : عموم المؤمنين يقولون : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي : بالتثبيت فيما هو