ابن عجيبة

597

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

واعلم أن النصارى انقسموا على أربع فرق : نسطورية ، ويعقوبية ، وملكانية ، ومرقوسية ، ومنهم نصارى نجران ، فالنسطورية ، قالوا في عيسى هو ابن الله ، واليعقوبية ، والملكانية ، قالوا هو الله ، والمرقوسية قالوا : هو ثالث ثلاثة ، وكلهم ضالون . الإشارة : الغلو كله مذموم ، وخير الأمور أوساطها ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « لا تطرونى كما أطرت النّصارى عيسى بن مريم ، ولكن قولوا : عبد اللّه ورسوله » ، ويرخص للفقير أن يتغالى في مدح شيخه ، ما لم يخرجه عن طوره ، أو ينتقص غيره بمدحه ، وفي الإشارة حث على حفظ مقام التوحيد ، وتنزيهه تعالى عن الأضداد والأنداد . وفي ذلك يقول الشاعر : أربّ وعبد ونفى ضد * قلت له : ليس ذاك عندي فقال ما عندكم ؟ فقلنا : * وجود فقد وفقد وجد فإثبات العبودية مستقلة تضاد الربوبية ، ولذلك أنكرها الشاعر ، أي : أثبت ربا وعبدا ، وأنت تقول بنفي الضد عنه وفي الحكم : « الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته » . ولما قالت نصارى نجران للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إنك تعيب صاحبنا ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - ومن صاحبكم ؟ قالوا : عيسى . قال : وأي شئ أقول ؟ قالوا : تقول إنه عبد الله . قال لهم - عليه الصلاة والسلام - « ليس بعار أن يكون عيسى عبدا للّه » ، أنزل الله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 172 إلى 173 ] لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 ) قلت : أصل الاستنكاف : التنحية ، من قولهم : نكفت الدمع ؛ إذا نحيته بإصبعك كي لا يرى أثره عليك ، ثم أطلق على الأنفة ، والاستكبار دون الاستنكاف ، ولذا عطف عليه ؛ لأن الاستنكاف لا يستعمل إلا حيث لا استحقاق ، بخلاف الاستكبار فإنه يكون باستحقاق . قاله البيضاوي .