ابن عجيبة

598

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله في الرد على النصارى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ أي : لن يأنف الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ؛ فإن عبوديته لله شرف يتباهى بها ، وإنما المذلة والاستنكاف في عبوديته لغيره ، وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ لا يستنكفون أيضا أن يكونوا عبيدا لله ، بل ما كانوا مكرمين إلا بعبوديتهم لله ، واحتج بالآية من فضّل الملائكة على الأنبياء ، لأن المعطوف يقتضى أن يكون أرفع درجة من المعطوف عليه ، حتى يكون عدم استنكاف الملائكة كالدليل على عدم استنكاف المسيح . والجواب : أن عطف الملائكة إنما أريد به التكثير والمبالغة ، كقولهم : أصبح الأمير اليوم لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس ، والرئيس أفضل من المرءوس ، والتحقيق في المسألة ؛ أن الأنبياء والرسل أفضل من خواص الملائكة كالمقربين ، وخواص الملائكة ؛ - وهم المقربون - أفضل من خواص البشر كالأولياء ، وخواص البشر أفضل من عوام الملائكة ، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر ، ولذلك قيل : من غلب عقله على هواه ، كان كالملائكة أو أفضل ، ومن غلب هواه على عقله ، كان كالبهائم أو أضل . والله تعالى أعلم . ثم ذكر وعيد من استنكف عن عبوديته - تعالى - فقال : وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً فيجازيهم ؛ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ولم يستنكفوا عن عبادته فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ مالا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا عن عبوديته وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادته فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي : موجعا ، وهو النار ، وقال القشيري : العذاب الأليم : هو ألا يصلوا إليه أبدا بعد ما عرفوا جلاله ، إذ صارت معرفتهم ضرورية - أي قهرية - فحسراتهم حينئذ على ما فاتهم أشدّ عقوبة لهم . ه . وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً . فإن قلت : هذا التفصيل أعم من المفصل ، لأن الحشر إنما ذكر للمتكبرين والتفصيل أعم ، فالجواب : أن عموم المفصل يفهم من قوة الكلام ، فكأنه قال : فسيحشرهم للمجازاة يوم يجازى عباده جميعا ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا . . . إلخ ، نظيره : قولك : جمع الأمير كافة مملكته ، فأما العلماء فأكرمهم ، وأما الطغاة فقطعهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : العبودية أشرف الحالات وأرفع المقامات ، بها شرف من شرف ، وارتفع من ارتفع ، عند الله ، وما خاطب الله أحباءه إلا بالعبودية ، فقال تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ، وقال : وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ، وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * . . . إلى غير ذلك .