ابن عجيبة
592
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فقطع عذر العباد ببعث الرسل ، وقامت الحجة عليهم ، وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام - : « ما أحد أغير من اللّه ، ولذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وما أحد أحبّ إليه المدح من اللّه ، ولذلك مدح نفسه ، وما أحد أحبّ إليه العذر من اللّه تعالى ، ولذلك أرسل الرّسل وأنزل الكتب » . وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً لا يغلب ، فلا يجب عليه شئ ، حَكِيماً فيما دبر من النبوة ، وخص كل نبي بنوع من الوحي والإعجاز على ما يليق به في زمانه . والله تعالى أعلم . الإشارة : علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل ، العارفون منهم كالرسل منهم ، قال ابن الفارض رضي اللّه عنه : فعالمنا منهم نبي ، ومن دعا * إلى الحقّ منّا قام بالرسليّة « 1 » وعارفنا في وقتنا الأحمدىّ من * أولى العزم منهم آخذ بالعزيمة فإنهم يشاركونهم في وحي الإلهام ، ويحصل لهم المكالمة مع المشاهدة ، فيسمعون من الحق كما ينطقون به . كما قال الششتري : أنا بالله أنطق * ومن الله أسمع فتارة يسمعون كلامه بالوسائط ، وتارة من غير الوسائط ، يعرف هذا أهل الفن من أهل الذوق ، وشأن من لم يبلغ مقامهم : التسليم . إن لم تر الهلال فسلّم * لأناس رأوه بالأبصار وفي الورتجبي : وإن الله تعالى إذا أراد أن يسمع كلامه أحدا من الأنبياء والأولياء يعطيه سمعا من أسماعه ، فيسمع به كلامه ، كما حكى - عليه الصلاة والسلام - عنه - تعالى - ، قال : ( فإذا أحببته كنت سمعه . . . . ) ، الحديث . أسمعه كلامه ، وليس هناك الحروف والأصوات ، بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية ، الذي هو منزه عن همهمة الأنفاس وخطرات الوسواس ، وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شئ ، حتى هناك السامع والمسمع واحد من حيث المحبة ، لا من حيث الجمع والتفرقة . انتهى كلامه . واعلم أن أهل الجمع لا يشهدون إلا متكلما واحدا ، قد انتفى من نظرهم التعدد والاثنينية ، غير أنهم يفرقون بين كلام القدرة وكلام الحكمة ، كلام القدرة يبرز من غير اختيار ، بل يكون المتكلم به مأخوذا عنه ، غائبا عن اختياره ،
--> ( 1 ) في الأصول : بالرسالة . قلت : والرسلية : تأدية الرسالة .