ابن عجيبة

593

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وكلام الحكمة معه ضرب من الاختيار ، وقد يسمعون كلام القدرة من الهواتف الغيبية ، ومن الجمادات على وجه الكرامة ، وكله بحرف وصوت . نعم ما يقع من الهواتف القلبية والتجليات الباطنية ، قد يكون بلا حرف ولا صوت ، وقد تحصل لهم المكالمة بالإشارة بلا صوت ولا حرف ، فقوله : ( بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية . . . ) إلخ . إن أراد به التجليات الباطنية فمسلّم ، لكن ظاهره أن كلام الحق الذي يسمعه لأنبيائه وأوليائه محصور في ذلك ، وأنه لا يكون إلا بلا حرف ولا صوت . وليس كذلك . وقوله : ( وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شئ ) إلخ ، معناه : لم يبق في ولاية أهل مشاهدة الأزل من رسوم الحوادث شئ . قلت : لكنهم يثبتونها حكمة ، ويمحونها قدرة ومشاهدة ، ولا يلزم من محوها عدم صدور الكلام منها بالحرف والصوت ؛ فإن البشرية لا تطيق سماع كلام الحق بلا واسطة الحكمة ، كما هو معلوم . والله تعالى أعلم . ثم شهد لرسوله بالوحي والرسالة ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 166 ] لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 166 ) قلت : ( لكن ) : حرف استدراك ، وهو عن مفهوم ما تقدم ، وكأنه قال : إنهم لا يشهدون بوحينا إليك . لكن الله يشهد بذلك . يقول الحق جل جلاله في الرد على اليهود لما قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : لا نشهد لك بما أوحى إليك . فقال تعالى : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ إن لم يشهدوا به ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي : متلبسا بعلمه الخاص به ، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ . أو متلبسا بعلمه الذي يحتاج الناس إليه في معاشهم ومعادهم . أو بعلمه المتعلق بمن يستأهل نزول الكتب إليه ، وَالْمَلائِكَةُ أيضا يشهدون بذلك . وفيه تنبيه على أن الملائكة يودّون أن يعلم الناس صحة دعوى النبوة ، على وجه يستغنى عن النظر والتأمل ، وهذا النوع من خواص الملك ، ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك ، سوى التفكر والنظر ، فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوتك ، وشهدوا بها كما عرفت الملائكة وشهدوا . قاله البيضاوي ، وقد يخلق الله العلم في قلب الإنسان من غير تفكر ولا نظر ، بل هداية من المالك القدير . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً لرسوله عن شهادة غيره .