ابن عجيبة
589
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر وبال ظلمهم وعدوانهم فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 160 إلى 161 ] فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ( 160 ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 161 ) يقول الحق جل جلاله : فبسبب ظلم مِنَ الَّذِينَ هادُوا ؛ وهو نقضهم الميثاق ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء ، حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ كانت أُحِلَّتْ لَهُمْ كالشحوم ، وكل ذي ظفر ، وغير ذلك من لذيذ الطيبات ، وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرّم عليهم شيئا من الطيبات ، وحرمنا ذلك أيضا عليهم بِصَدِّهِمْ عن طريق اللَّهِ صدا كَثِيراً ، أي : بإعراضهم عنه إعراضا كثيرا ، أو بصدهم عنه ناسا كثيرا كانوا يخذّلونهم عن الدخول في دين الله ، وبأخذهم الربا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ، فهو محرم عليهم وعلى الأمة المحمدية ، وبأكلهم أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ كالرشوة وما كانوا يأخذونه من عوامهم ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم عَذاباً أَلِيماً ، دون من تاب وآمن به . الإشارة : اعلم أن كل غفلة ومعصية وسوء أدب يحرم مرتكبه بسببه من لذيذ الطاعات وحلاوة المشاهدات على قدره ، شعر أو لم يشعر ، وقد يبعده من الحضرة وهو لا يشعر ، مكرا واستدراجا ، فإذا أصر عليه سلب من مقام الولاية بالكلية ، ولا يزال ينقص إيمانه شيئا فشيئا ، حتى يتفلت منه ، والعياذ بالله ، وإذا بادر بالتوبة رجى قبوله ، وكل يقظة وطاعة وحسن أدب يوجب لصاحبه الزلفى والقرب من الحضرة ، ويزيده في حلاوة المعاملة والمشاهدة على قدره ، فلا يزال يتقرب إليه بنوافل الخيرات ، حتى يحبه فيتولاه ، فيكون سمعه وبصره ، كما في الحديث . وبالله التوفيق . ثم استثنى من تاب من اليهود ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 162 ] لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ( 162 )