ابن عجيبة
590
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : والمؤمنون عطف على الراسخين ، و ( يؤمنون ) : حال منهم . و ( المقيمين ) : نصب على المدح ، لأن العرب إذا تطاولت في مدح شئ أو ذمه خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه ، نظيره : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ . وقالت عائشة رضي اللّه عنهما : هو لحن من الكتّاب « 1 » ، وفي مصحف ابن مسعود : ( والمقيمون ) بالرفع على الأصل . يقول الحق جل جلاله : ليس أهل الكتاب كلهم كما ذكرنا ، لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ كعبد الله ابن سلام ، ومخيريق ، وغيرهما ممن له علم بالكتب المتقدمة ، وَالْمُؤْمِنُونَ منهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، من عوامهم حال كونهم يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي : يؤمنون إيمانا كاملا بلا تفريق ، وأخص الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ، المتقنين لها ، الْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ المفروضة ، وَالْمُؤْمِنُونَ منهم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، على صفة ما جاء به القرآن من البعث بالأجسام والحساب وغير ذلك ؛ مما هو مقرر في السنة ، أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ، فتكون الآية كلها في أهل الكتاب . أو يقول الحق جل جلاله : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ من أهل الكتاب ، وَالْمُؤْمِنُونَ بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، من العرب ، وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ منهم ، وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً . الإشارة : كل من تحققت توبته بعد عصيانه ، وظهرت يقظته بعد غفلاته ، ورسخ في العلم بالله وبصفاته وأسمائه ؛ التحق بالسابقين ، وحشر مع المقربين ، وكان ممن أوتى أجرا عظيما وخيرا جسيما ، والحمد لله رب العالمين . ثم أجاب أهل الكتاب عن سؤالهم أن ينزل عليهم كتابا من السماء فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 163 إلى 165 ] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 163 ) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( 164 ) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 165 )
--> ( 1 ) رد العلماء والمفسرون على هذا الخبر ، ومنهم الإمام ابن جرير الطبري الذي قال : لو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب ، الذي أخطأ في كتابه . وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبى في ذلك ما يدل على أن الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ . مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخط لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يعلّمون من علموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن ، ولأصلحوه ولقنوه الأمة تعليما على وجه الصواب . وفي نقل المسلمين جميعا ذلك قراءة على ما هو به في الخط مرسوما ، أدل الدليل على صحة ذلك وصوابه ، وأن لا صنع في ذلك للكاتب . انظر : تفسير الطبري بتعليق الشيخ شاكر - والإتقان للسيوطي ، وتفسير الرازي .