ابن عجيبة
588
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قتلوه ونظروا إليه ، فقالوا : الوجه وجه عيسى والجسد جسد صاحبنا . ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ أي : لا علم لهم بقتله ، لكن يتبعون الظن فقط . وَما قَتَلُوهُ قتلا يَقِيناً كما زعموا بقولهم : إنا قتلنا المسيح ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ فهو في السماء الثانية مع يحيى عليها السلام ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً أي : قويا بالنقمة على اليهود ، حكيما فيما حكم عليهم من اللعنة والغضب . والله تعالى أعلم . الإشارة : نقض عهود الشيوخ من أسباب المقت والبعد عن الله ، وكذلك الإنكار عليهم والطعن فيهم ، وكذلك البعد عن وعظهم وتذكيرهم ، وضد هذا من موجبات القرب والحب من الله ، كحفظ حرمتهم ، والوقوف مع أوامرهم ، والذب عنهم حين تهتك حرمتهم ، والدنو منهم ، والسعي في خدمتهم . وبالله التوفيق . ثم ذكر نزول عيسى في آخر الزمان ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 159 ] وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ( 159 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي : ما من يهودي ولا نصراني ، أي : الموجودين حين نزوله إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بعيسى قَبْلَ مَوْتِهِ أي : عيسى ، وذلك حين نزوله من السماء ، روى أنه ينزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه ، ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن به ، حتى تكون الملة واحدة ، وهي ملة الإسلام ، وتقع الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل ، والنمور مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، ويلعب الصبيان بالحيات ، ويلبث في الأرض أربعين سنة ، ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون ويدفنونه . وقيل الضمير في ( به ) إلى عيسى ، وفي ( موته ) إلى الكتابي ، أي : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى بأنه عبد الله ورسوله ، قَبْلَ مَوْتِهِ أي : قبل خروج نفس ذلك الكتابي إذا عاين الملك ، فلا ينفعه حينئذ إيمانه ، لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل . ويؤيد هذا قراءة من قرأ : ليؤمننّ به قبل موتهم بضم النون ، لأن ( أحدا ) في معنى الجمع ، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الإيمان به من قبل أن يضطر إليه ولم ينفعه إيمانه ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً يشهد على اليهود بالتكذيب ، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله . والله تعالى أعلم الإشارة : عند الموت تتحقق الحقائق ، ويتميز الحق من الباطل ، ويحصل الندم ، ولا ينفع حين تزل القدم ، فالمطلوب المبادرة بتحقيق الإيمان ، وتحصيل مقام العرفان ، قبل أن يسقط إلى جنبه ، فينفرد رهينا في قبره بذنبه . والله تعالى أعلم .