ابن عجيبة
587
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( فبما ) : صلة زيدت للتأكيد ، و ( نقضهم ) : مصدر مجرور بالباء ، وهي متعلقة بالفعل المحذوف ، أي : بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا ، أو بقوله : ( حرمنا عليهم ) ، ويكون ( فبظلم ) على هذا بدلا من قوله : ( فبما نقضهم ) ، فيكون التحريم بسبب النقض ، وما عطف عليه . والاستثناء في قوله : ( إلا اتباع الظن ) منقطع ؛ إذ العلم يناقض الظن . يقول الحق جل جلاله : فلما أخذنا على بني إسرائيل العهد والميثاق خالفوا ونقضوا ، ففعلنا بهم ما فعلنا ، بسبب نقضهم ميثاقهم ، أو بسبب نقضهم وكفرهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ، وبسبب كفرهم أيضا بِآياتِ اللَّهِ ؛ القرآن ، أو بما في كتبهم ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ أي : مغلفة لا تفقه ما تقول . قال تعالى في الرد عليهم : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ، فجعلها محجوبة عن العلم ، بأن خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر بالمواعظ ، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه ، أو إيمانا قليلا لا عبرة به لنقصانه ، وَبِكُفْرِهِمْ أيضا بعيسى عاقبناهم وطبعنا على قلوبهم ، وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً أي : نسبتها للزنى وبقولهم : إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ أي بزعمه ، ويحتمل أنهم قالوه استهزاء ، ونظيره : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ، أو يكون استئنافا من الله بمدحه ، أو وضعا للذكر الحسن موضع قولهم القبيح . قاله البيضاوي . ثم رد الله تعالى عليهم فقال : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ، روى أن رهطا من اليهود سبوه هو وأمه ، فدعا عليهم ، فمسخوا قردة وخنازير ، فاجتمعت اليهود على قتله ، فقال لهم : يا معشر اليهود ، إن الله يبغضكم ، فغضبوا وثاروا ليقتلوه ، فبعث الله تعالى جبريل فأدخله خوخة فيها كوة في سقفها ، ورفعه الله إلى السماء من تلك الكوة ، فأمر اليهود رجلا منهم يقال له : طيطانوس ، أن يدخل الخوخة ويقتله ، فلما دخل الخوخة ، لم ير عيسى ، فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه ، فلما أبطأ عليهم دخلوا عليه ، فظنوه عيسى ، فقتلوه وصلبوه . وقال قتادة : ذكر لنا أن عيسى عليه السّلام قال لأصحابه : أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل ؟ فقال رجل : أنا يا رسول الله ، فقتل ذلك الرجل ، ورفع عيسى عليه السّلام ، وكساه الريش وألبسه النور ، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة ، فهو معهم في السماء إنسيا ملكيا ، أرضيا سماويا . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ فقال بعض اليهود : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى ؟ ويقال : إن الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى على صاحبهم ، ولم يلق عليه شبه جسده ، فلما