ابن عجيبة
56
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقد قرئ ( ملك ) بوجوه كثيرة تركنا ذكرها لشذوذها . فإن قيل : ملك ومالك نكرة ؛ لأن إضافة اسم الفاعل لا تخصص ، وكيف ينعت به ( الرحمن الرحيم ) وهما معرفتان ؟ قلت : إنما تكون إضافة اسم الفاعل لا تخصص إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال ؛ لأنها حينئذ غير محضة ، وأما هذا فهو مستمر دائما ، فإضافته محضة . قاله ابن جزىّ . يقول الحق جل جلاله معلّما لعباده كيف يثنون عليه ويعظمونه ثم يسألونه : يا عبادي قولوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي : الثناء الجميل إنما يستحقه العظيم الجليل ، فلا يستحق الحمد سواه ، إذ لا منعم على الحقيقة إلا اللّه ، وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ . أو جميع المحامد كلّها للّه ، أو الحمد المعهود في الأذهان هو حمد اللّه تعالى نفسه في أزله ، قبل أن يوجد خلقه ، فلما أوجد خلقه قال لهم : الحمد للّه ، أي : احمدونى بذلك الحمد المعهود في الأزل . وإنما استحق الحمد وحده لأنه رَبِّ الْعالَمِينَ ، وكأن سائلا سأله : لم اختصصت بالحمد ؟ فقال : لأنى ربّ العالمين ، أنا أوجدتهم برحمتي ، وأمددتهم بنعمتي ، فلا منعم غيرى ، فاستحققت الحمد وحدي ، منّى كان الإيجاد وعلىّ توالى الإمداد ، فأنا ربّ العباد ، فالعوالم كلها - على تعدد أجناسها واختلاف أنواعها - في قبضتي وتحت تربيتى ورعايتى . قال بعضهم : خلق اللّه ثمانية عشر ألف عالم ، نصفها في البر ونصفها في البحر . وقال الفخر الرازي : روى أن بني آدم عشر الجن ، وبنو آدم والجن عشر حيوانات البر ، وهؤلاء كلّهم عشر الطيور ، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحار ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين ببني آدم ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة سماء الدنيا ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الثانية ، ثم على هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة ، ثم الكلّ في مقابلة الكرسي نزر قليل ، ثم هؤلاء عشر ملائكة السّرادق الواحد من سرادقات العرش ، التي عددها : مائة ألف ، طول كل سرادق وعرضه - إذا قوبلت به السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما - يكون شيئا يسيرا ونزرا قليلا . وما من موضع شبر إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم ، وله زجل بالتسبيح والتهليل . ثم هؤلاء كلهم في مقابلة الذين يجولون حول العرش كالقطرة في البحر ، ولا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ . ه . وقال وهب بن منبّه : ( قوائم العرش ثلاثمائة وست وستون قائمة ، وبين كل قائمة وقائمة ستون ألف صحراء ، وفي كل صحراء ستون ألف عالم ، وكل عالم قدر الثقلين ) . فهذه العوالم كلها في قبضة الحق وتحت تربيته وحفظه ، يوصل المدد إلى كل واحد وهو في مستقرّه ومستودعه ، إما إلى روحانيته من قوة العلوم والمعارف ، وإما إلى بشريته من قوة الأشباح ، من العرش إلى الفرش ،