ابن عجيبة

57

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

كلها مقدّرة أرزاقها محصورة آجالها ، محفوظة أشباحها ، معلومة أماكنها ، لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم . ثم هذه التربية التي ربى سبحانه بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان ، لا لزوم عليه وإيجاب ، ولذلك وصله بقوله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، أي : الرحمن بنعمة الإيجاد ، الرحيم بنعمة الإمداد . « نعمتان ما خلا موجود عنهما ، ولا بد لكل مكوّن منهما : نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد ، أنعم أولا بالإيجاد ، وثنى بتوالي الإمداد » . كما في ( الحكم ) « 1 » . فاسمه ( الرحمن ) يقتضى إيجاد الأشياء وإبرازها ، واسمه ( الرحيم ) يقتضى تربيتها وإمدادها . ولذلك لا يجوز إطلاق اسم ( الرحمن ) على أحد ، ولم يتسمّ أحد به ؛ إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى ، بخلاف اسمه ( الرحيم ) فيجوز إطلاقه على غيره تعالى ؛ لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض المخلوقات مجازا وعارية . أو : الرحمن في الدنيا والآخرة ، والرحيم في الآخرة ؛ لأن رحمة الآخرة خاصة بالمؤمنين . أو الرحمن بجلائل النعم والرحيم بدقائقها ، فجلائل النعم مثل : نعمة الإسلام والإيمان والإحسان ، والمعرفة والهداية ، وكشف الحجاب وفتح الباب والدخول مع الأحباب ، ودقائق النعم مثل : الصحة والعافية والمال الحلال ، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المنعم عليهم . ثم من تحقق منه الإيجاد والإمداد استحق أن يكون ملكا لجميع العباد ، ولذلك ذكره بأثره فقال : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أي : المتصرف في عباده كيف شاء ، لا رادّ لما قضى ولا مانع لما أعطى ، فهو ملك الملوك رب الأرباب في هذه الدار وفي تلك الدار . وإنما خصّ يوم الدين - وهو يوم الجزاء - بالملكية ؛ لأن ذلك اليوم يظهر فيه الملك للّه عيانا لجميع الخلق ، فإن اللّه تعالى يتجلّى لفصل عباده ، حتى يراه المؤمنون عيانا ، بخلاف الدنيا فإن تصرفه تعالى لا يفهمه إلا الكملة من المؤمنين ، ولذلك ادّعى كثير من الجهلة الملك ونسبوه لأنفسهم . ويوم القيامة ينفرد الملك للّه عند الخاص والعام ، قال تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ . الإشارة : لما تجلّى الحق سبحانه من عالم الجبروت إلى عالم الملكوت ، أو تقول : من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، حمد نفسه بنفسه ، ومجّد نفسه بنفسه ، ووحّد نفسه بنفسه ، وللّه درّ الهروىّ ، حيث قال : ما وحّد الواحد من واحد * إذ كلّ من وحّده جاحد

--> ( 1 ) لابن عطاء الله السكندرى .