ابن عجيبة

409

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فذنبهم قلة معرفتهم لأقدار الحق ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « لو أن اللّه عذب الملائكة لحق منه ، فقيل : إنهم معصومون ، فقال عليه الصلاة والسلام : من قلة معرفتهم بربهم » « 1 » . ولذلك دعاهم إلى المغفرة . ه . قال في الحاشية : وقوله : ( أثبت بالآية ذنب الكل ) ، يعنى : شمول قوله : ( يغفر لمن يشاء ) من في السماوات الصادق بالملائكة ، وإنما تكون المغفرة بعد ذنب ، ولكنه في كل أحد على حسبه ، وأما قوله : دعاهم إلى المغفرة ، فكأنه من قوله : سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، وأن الخطاب يعم من في السماوات أيضا ، وقد يتصور في حق الملائكة الاستناد لظواهر الأمور والاختلاف بينهم والاختصام ، مما هو معرض للخطأ ، وذلك من دواعي المغفرة ، وكذلك القصور عن معرفة كنه جلال اللّه : نقص لا يخلو منه مخلوق ، لاستحالة الإحاطة به علما ، ولذلك كان الترقي في المعرفة لا حد له أبدا سرمدا . ه . ثم ذكر حال أهل اليمين ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 135 إلى 136 ] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 136 ) يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أي : فعلة بالغة في الفحش والقبح ، كالزنى ، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بأي ذنب كان ، أو فعلوا كبيرة أو صغيرة ، أو الفاحشة : ما يتعدى للغير ، وظلم النفس ما يخص ، أو الفاحشة بالفعل ، وظلم النفس بالقول ، ذَكَرُوا اللَّهَ أي : عقابه وغضبه وعرضه الأكبر ، أو ذَكَرُوا اللَّهَ في أنفسهم أن اللّه سائلهم عنه ، أو كونه رقيبا عليهم ، أو ذَكَرُوا اللَّهَ باللسان فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ بالندم والتوبة ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي : لا أحد يغفره إلا اللّه ، والمراد : وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة ، والحث على الاستغفار . وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا أي : لم يدوموا عليها غير مستغفرين ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أصرّ من استغفر ، ولو عاد في اليوم سبعين مرّة » ، وذلك إذا صحبة الندم ، وقال أيضا : « لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع

--> ( 1 ) لم أقف عليه . وذكر المتقى الهندي في الكنز حديث : ( لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا لهم من أعمالهم . . » وعزاه لأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن حبان . انظر : ( الكنز 1 / 130 ح 613 ) .