ابن عجيبة

410

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإصرار » . قال قتادة : إياكم والإصرار ، فإنما هلك المصرون الماضون قدما في معاصي اللّه تعالى ، لم يتوبوا حتى أتاهم الموت . ه . وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الإصرار يضر بهم ، أو : وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنب ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « من أذنب ذنبا ، وعلم أنّ له ربا يغفر الذنوب ، غفر له وإن لم يستغفر » . وفي الحديث القدسي يقول اللّه تعالى : « من علم أنى ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي » . وفي بعض الكتب المنزلة : « يا ابن آدم ، إنّك ما دعوتني ورجوتني لأغفرن لك على ما كان منك ولا أبالي » . أو : ( وهم يعلمون ) أن التوبة تمحق الذنوب . أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ؛ تغطية لذنوبهم ، وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ، ولا يلزم من إعدادها للتائبين اختصاصهم بها ، كما لا يلزم من إعداد النار للكفار اختصاصهم بها ، ثم مدح أجر التائبين فقال : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ، وانظر هذا الفرق العظيم الذي بين المحسنين وأهل اليمين ، قال في الآية الأولى : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وقال في هذه الآية : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ، أهل الآية الأولى من خواص الأحباب ، وأهل هذه يأخذون أجرهم من وراء الباب . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى عين التحقيق . الإشارة : أهل مقام الإحسان عملهم قلبي ، كالسخاء والعفو وكظم الغيظ ، وأهل اليمين عملهم بدني ، بين طاعة ومعصية وغفلة ويقظة ، إذا فعلوا فاحشة تابوا واستغفروا ، وإذا فعلوا طاعة فرحوا واستبشروا ، أهل مقام الإحسان غائبون عن رؤية أعمالهم ووجودهم ، وأهل اليمين معتمدون على أعمالهم ، إذا فعلوا طاعة قوى رجاؤهم ، وإذا زلّوا نقص رجاؤهم ، أهل مقام الإحسان فانون عن أنفسهم باقون بربهم ، وأهل اليمين أنفسهم موجودة وأعمالهم لديهم مشهودة ، أهل مقام الإحسان محبوبون ، وأهل اليمين محبّون ، أهل مقام الإحسان فنيت عندهم الرسوم والأشكال ، وبقي في نظرهم وجود الكبير المتعال ، وأهل اليمين : الأكوان عندهم موجودة ، وشموس المعارف عن قلوبهم مفقودة ، أهل مقام الإحسان يعبدون اللّه على نعت الشهود والعيان ، وأهل اليمين يعبدون اللّه من وراء حجاب الدليل والبرهان ، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان . واعلم أن لمعرفة الشهود والعيان ثمرات ونتائج ، حصرها بعضهم في إحدى عشرة خصلة : الأولى : الحرية ، ومعناها أن يكون العارف فردا لفرد ، من غير أن يكون تحت رق شئ من الموجودات ، لا من أغراض الدنيا ولا من أغراض الآخرة ، فالحرية عبارة عن غاية التصفية والطهارة . قال بعضهم : ليس بحرّ من بقي عليه من تصفية نفسه مقدار فص نواة ، المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . الثانية : الوجود ، وهو الفوز بحقيقة الأشياء في الأصل ، وهو عبارة عن إدراك مقام تضمحل فيه الرسوم ، بالاستغراق في الحقيقة الأزلية .