ابن عجيبة
396
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ذلِكَ الذل والمسكنة والبواء بالغضب بسبب أنهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على رسوله ، أو الدالة على توحيده ، وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ بل ظلما وعدوانا ، ذلك الكفر بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود اللّه ، فإن الإصرار على الصغائر يفضى إلى الكبائر ، والإصرار على الكبائر يؤدى إلى الكفر ؛ لأن المعاصي بريد الكفر ، والعياذ باللّه . الإشارة : ولو آمن أهل العلم الظاهر بطريق الخصوص ، وحطوا رؤوسهم لأهل الخصوصية لكان خيرا لهم ، لتتسع عليهم دائرة العلوم ، وتفتح لهم مخازن الفهوم ، منهم من يقر بوجود الخصوصية ، ويعجز عن حمل شروطها ، وأكثرهم ينكرونها ويحتجون لأنفسهم بقول من قال : انقطعت التربية في القرن الثامن ، فيموتون مصرين على الإنكار والعصيان ، فلن يضركم إنكارهم أيها الفقراء ، فإنهم لا قدرة لهم عليكم ، للرعاية التي أحاطت بكم ، إلا أذى بلسانهم ، وعلى تقدير لحوق ضررهم في الظاهر ، فإن اللّه يغيّب ألم ذلك عنكم في الباطن ، كما شاهدناه من بعض الفقراء ، وإن يهددوكم بالقتل والجلاء ، فإن اللّه لا ينصرهم في الغالب . قلت : وقد هددونا بالضرب والرفع إلى السلطان والجلاء إلى برّ النصارى ، فلم يقدروا على شئ من ذلك ، وقد وقع ذلك لبعض الصوفية زيادة في شرفهم وعزهم ، فالمنكر على الصوفية « 1 » لا يزال في همّ وغمّ وذلّ ومسكنة ، لخراب باطنه من نور اليقين . فإنّ الانتقاد على الأولياء جناية واعتقادهم عناية ، فإن استمر على أذاهم كان عاقبته سوء الخاتمة ، فيبوء بغضب من اللّه بسبب اعتدائه على أولياء اللّه ، « ومن آذى لي وليا فقد أذن بالحرب » ، رزقنا اللّه الأدب معهم ، وأماتنا على محبتهم ، آمين . ولمّا كان من اليهود من أسلم وحسن إسلامه استثناه اللّه تعالى ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 113 إلى 115 ] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 ) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 115 ) قلت : ( قائمة ) أي : مستقيمة ، من أقمت العود فقام ، أو قائمة بأمر اللّه . و ( آناء الليل ) : ظرف ، واحده : ( إنّي ) ، بكسر الهمزة وسكون النون ، كنحى وأنحاء ، أو ( إني ) ، كمعى وأمعاء ، و ( لن تكفروه ) أي : لن تحرموه ، وعدى ( كفر ) إلى مفعولين لتضمنه معنى حرم أو منع .
--> ( 1 ) أي : الصوفية الملتزمة ، لا صوفية المزمار .