ابن عجيبة
397
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : ليس أهل الكتاب سَواءً في الكفر والعدوان ، بل منهم أُمَّةٌ أي : طائفة قائِمَةٌ بالعدل مستقيمة في الدين ، أو قائمة بأمر اللّه ، أو قائمة في الصلاة يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ في تهجدهم آناءَ اللَّيْلِ أي : في ساعاته ، وَهُمْ يَسْجُدُونَ في صلاتهم ، أو في صلاة العشاء ، لأن أهل الكتاب لا يصلونها ، لما روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم أخّرها ، ثم خرج ، فإذا الناس ينتظرونها ، فقال : « أبشروا ؛ فإنّه ليس من أهل الأرض أحد يصلّى في هذه السّاعة غيركم » . ثم وصفهم بالإيمان فقال : يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ، وهو عبد اللّه بن سلام وأصحابه ممن أسلم من اليهود ، فقد وصفهم اللّه تعالى بخصائص لم توجد في اليهود ، فإنهم منحرفون عن الحق غير متعبدين ، مشركون باللّه ملحدون في صفاته ، يصفون اليوم الآخر بغير صفاته ، مداهنون في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، متباطئون عن الخيرات ، بخلاف ما وصف به من أسلم منهم ، وَأُولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات مِنَ الصَّالِحِينَ أي : ممن صلحت أحوالهم عند اللّه ، واستوجبوا رضاءه وثناءه ، وهذه عادة اللّه مع خلقه ، من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا . ولذلك قال : وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي : فلن تحرموا ثوابه . ولن تجحدوا جزاءه ، بل يشكره لكم ويجزيكم عليه ، سمى الحرمان كفرانا كما سمى العطاء شكرا . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ؛ فلا يخفى عليه مقاماتهم في التقوى . وفيه إشعار بأن التقوى مبدأ الخير وأحسن الأعمال ، وأن الفائزين عند اللّه هم أهل التقوى . رزقنا اللّه منها الحظ الأوفر بمنّه . آمين . الإشارة : ليس أهل العلم سواء ، بل منهم من جعله شبكة يصطاد به الدنيا ، يبيع دينه بعرض قليل ، وهم علماء السوء وقضاة الجور ، ومنهم من قرأه للّه وعلّمه للّه ، فأفنى عمره في تعليمه وتقييده ، ومنهم من صرف همته إلى جمعه وتأليفه ، ومنهم من صرف همته إلى العمل به فالتحق بالعباد والزّهاد ، يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ومنهم من حرره وحققه ، ثم توجه إلى علم الباطن وصحب العارفين ، فكان من المقربين ، فهؤلاء كلهم يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ، فيقال لهم : وما تفعلوا من خير فلن تكفروه واللّه عليم بالمتقين . ثم ذكر الحق تعالى أضدادهم ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 116 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 116 )