ابن عجيبة
395
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم دعا أهل الكتاب إلى الإيمان ، وهوّن أمرهم ، فقال : وَلَوْ آمَنَ . . . قلت : الاستثناء في قوله ( إلا بحبل ) : من أعم الأحوال ، أي : ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال ، إلا متلبسين بذمة من اللّه وذمة من الناس . يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ إيمانا كائنا كإيمانكم ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مما هم عليه . وليس أهل الكتاب سواء ، بل مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ المتمردون في الكفر والفسوق ، فلا يهولكم أمرهم ، فإنهم لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا ضررا يسيرا ؛ كأذى باللسان من عيب وسب وتحريش بينكم ، ولا قدرة لهم على القتال ، وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ ينهزموا ، و يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ أبدا عليكم . وهذه الآية من المغيبات التي وافقها الواقع ، إذ كان كذلك في بني قريظة والنضير وبنى قينقاع وخيبر ، فلم ترفع لهم راية أبدا ، بل ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والخزي والهوان ، أي : أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله ، أو لزمتهم لزوم الدرهم المضروب لضربه ، فلا تنفك عنهم أَيْنَ ما ثُقِفُوا ووجدوا ، فلا يأمنون إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي : بسبب عهد من اللّه ، وهو عقد الذمة التي أمر اللّه بها ، إذا أدوا الجزية للمسلمين ، فلهم حرمة بسبب هذا العقد ، فلا يجوز التعرض لهم في مال ولا دم ولا أهل ، وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ، وهو عقد الذمة التي يعقدها مع الكفار إذا كانوا تحت ذمتهم . والحاصل أن الذلة لازمة لهم « 1 » فلا يأمنون إلا تحت الذمة ، إما من المسلمين وإما من الكفار . وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي : انقلبوا به مستحقين له ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ أي : أحاطت بهم ، فاليهود في الغالب فقراء مساكين ، لأن قلوبهم خاوية من اليقين ، فالفقر والجزع لازم لهم ، ولو ملكوا الدنيا بأجمعها .
--> ( 1 ) أقام اليهود لهم دولة بمعونة الظلمة ، وحمايتهم لهم ، كما فعل البريطانيون والأمريكان . لكن المسكنة لازمة لليهود ويبعث الله عليهم من يسومهم سوء العذاب ، حتى مع وجودهم محصنين داخل دولتهم .