ابن عجيبة
391
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الشيخ تائبين . وكذلك قضية معروف الكرخي مع أصحاب السفينة ، الذين كانوا مشتغلين باللهو واللعب ، فقال له أصحابه : ادع عليهم ، فقال : اللهم كما فرّحتهم في الدنيا ففرّحهم في الآخرة ، فتابوا على يده جميعا . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم أعاد النهى عن الفرقة ، تأكيدا لذمها ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 105 إلى 109 ] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 ) قلت : ( يوم ) : متعلق بالاستقرار في خبر ( أولئك ) ، أو بالذكر ؛ محذوفة ، وقوله : ( أكفرتم ) : محكى بقول محذوف جواب ( أما ) ، أي : فيقال لهم : أكفرتم . يقول الحق جل جلاله : وَلا تَكُونُوا كاليهود والنصارى الذين ( تفرقوا ) في التوحيد والتنزيه ، وَاخْتَلَفُوا في أحوال الآخرة . قال عليه الصلاة والسلام : « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النّصارى على ثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، كلّها في النّار إلا واحدة . قيل : ومن تلك الواحدة ؟ قال : ما أنا وأصحابي عليه » . وهذا الحديث أصح مما تقدم ، والصحابة يروون الحديث بالمعنى ، فلعلّ الأول نسي بعض الحديث . واللّه أعلم . ثم إن النهى مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « اختلاف أمّتى رحمة » ، ولقوله : « من اجتهد وأصاب فله أجران ، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد » . ثم إن أهل الكتاب تفرقوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي : الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه ، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ، يستقر لهم هذا العذاب يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ المؤمنين المتقين على التوحيد ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ الكافرين المتفرقين فيه ، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين ، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة . وبياض الوجوه وسوادها كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف