ابن عجيبة

380

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( ذهبا ) : تمييز ، و ( لو افتدى به ) : محمول على المعنى ، كأنه قيل : فلن يقبل من أحدهم فدية ، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا ، أو عطف على محذوف ، أي : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تقرب به في الدنيا ، ولو افتدى به من العذاب في الآخرة . قاله البيضاوي . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، واستمروا على كفرهم حتى ماتوا ، لن يُقْبَلَ منهم فدية ، ولو افتدوا بملء الأرض ذهبا ، بل يحصل لهم الإياس من رحمة الله ، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ؛ فلا ينفعهم فداء منه ولا شفاعة ولا حميم ، وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ينصروهم من عذاب رب العالمين . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يجاء بالكافر يوم القيامة ، فيقال له : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا - أكنت مفتديا به ؟ فيقول : نعم ، نعم ، فيقال له : قد سئلت ما هو أيسر من ذلك » . يعنى : لا إله إلا الله . ثبتنا الله عليها إلى الممات عالمين بها . آمين . الإشارة : كل من كفر بطريق أهل الخصوصية ، وحرم نفسه من دخول الحضرة القدوسية ، واستمر على كفرانه إلى الممات ، فلا شك أنه يحصل له الندم وقد زلت به القدم ، لأنه مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر ، فإذا حشر مع عوام المسلمين ، وسكن في ربض الجنة مع أهل اليمين ، ثم رأى منازل المقربين في أعلى عليين ، ندم وتحسر « 1 » ، وقد غلبه القدر ، فلو اشترى المقام معهم بملء الأرض ذهبا ما نفعه ذلك ، فيمكث في غمّ الحجاب وعذاب القطيعة هنالك ، مقطوع عن شهود الأحباب على نعت الكشف والبيان ، ممنوع عن الشهود والعيان . وبالله التوفيق . ولمّا حكم الحق تعالى بأن الفداء لا ينفع يوم القيامة ؛ ذكر أفضل ما يفتدى به العبد في دار الدنيا ؛ لأنه ينفع فيها ذلك ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 92 ] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 ) قلت : البرّ : كمال الطاعة . يقول الحق جل جلاله : لَنْ تَنالُوا كمال الطاعة والتقرب حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، أو : لن تنالوا برّ الله ، الذي هو الرضى والرضوان ، حَتَّى تُنْفِقُوا بعض ما تُحِبُّونَ من المال وغيره ، كبذل الجاه في معاونة الناس ، إن صحبه الإخلاص ، وكبذل البدن في طاعة الله ، وكبذل المهج في سبيل الله . ولمّا نزلت الآية

--> ( 1 ) هذا باعتبار عدم إدراكهم لمنازل المقربين ، وإن كان مجرد دخول الجنة فوز ونجاح ؛ قال تعالى : فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ . . الآية .