ابن عجيبة
381
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
جاء أبو طلحة فقال : يا رسول الله ، إن أحب أموالي إلىّ بيرحاء - وهو بستان كان خلف المسجد النبوي - وهو صدقة لله ، أرجو برها وذخرها ، فقال له - عليه الصلاة والسلام - « بخ بخ ؛ ذلك مال رابح - أو رائح - وإنّى أرى أن تجعلها في الأقربين » . فقسمها أبو طلحة في أقاربه . وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبها ، فقال : هذه في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أسامة ولده ، فقال زيد : إنما أردت أن أتصدق بها ، فقال - عليه الصلاة السلام - : « إنّ اللّه تعالى قد قبلها » . فدل ذلك على أن الصدقة على الأقارب أفضل . وأعتقت امرأة جارية لا تملك غيرها ، كانت تحبها ، واشترطت عليها أن تقيم معها ، فلما عتقت ، ذهبت ، فقال لها عليه الصلاة والسلام : « دعيها فقد حجبتك عن النار » . وأمر عمر بن الخطاب بشراء جارية من سبى العراق ، فلما جئ بها ، ورآها عمر أعجبته غاية ، فقال : إن الله تعالى يقول : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، فأعتقها . وذكر ابن عمر هذه الآية ، فلم يجد عنده أحبّ من جارية كانت عنده ، يطؤها فأعتقها ، وقال : لولا أنى لا أعود في شئ جعلته لله لنكحتها . وكان الربيع يعطى للسائل إذا وقف في بابه السكر ، فإذا قيل له في ذلك ، قال : إن الربيع يحب السكر . ثم إن الله - تعالى - يقبل الصدقة من المحبوب أو غيره ، ولذلك قال : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ؛ فيجازيكم بحسبه . الإشارة : ليس للفقير شئ أحبّ إليه من نفسه التي بين جنبيه ، بل عند جميع الناس ، فمن بذل روحه في مرضاة الله نال رضوان الله ومعرفته ، وهو غاية البر ، فمن أذل نفسه لله أعزه الله ، ومن أفقر نفسه لله أغناه الله ، ومن تواضع لله رفعه ، فبذل النفس لله هو تقديمها لشيخ التربية يفعل بها ما يشاء ، فكل ما يشير به إليه بادر إليه بلا تردد ، فمن فعل ذلك فقد نال غاية البر ، وأنفق غاية ما يحب ، وكل من بذل نفسه بذل غيرها بالأحرى ، إذ ليس أعز منها ، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي اللّه عنه : مالي سوى روحي ، وباذل نفسه « 1 » * في حبّ من يهواه ليس بمسرف فلئن رضيت بها فقد أسعفتنى * يا خيبة المسعى إذا لم تسعف وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي : حقيقة المحبة أن تهب كلّك لمن أحببته ، حتى لا يبقى لك منك شئ . ه . وقال الجنيد رضي اللّه عنه : لن تنالوا محبة الله حتى تسخوا بأنفسكم لله . ه .
--> ( 1 ) في الأصل : روحه .