ابن عجيبة

369

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن اليهود : ( و ) قالوا لا تُؤْمِنُوا أي : لا تقروا ، أو تصدقوا أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من العلم والحكمة وفلق البحر وسائر الفضائل ، إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دين اليهودية ، وكان على دِينَكُمْ ، ولا تؤمنوا أن يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ؛ لأنكم أصح دينا منهم . قال الحق جل جلاله : قُلْ لهم : إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ يهدى به من يشاء ، و إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ . أو يقول الحق جل جلاله : وقالوا : لا تصدقوا ولا تذعنوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وكان من جلدتكم ، فإن النبوة خاصة بكم . فكذبهم الحق بقوله : قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ ، يخص بها من يشاء من عباده ، فكيف تحصرونها فيكم ؟ لأجل أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ قلتم ما قلتم ، ودبرتم ما دبرتم ، حسدا وبغيا ، ( أو ) خوفا أن يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ، يغلبوكم بالحجة لظهور دينهم ، قُلْ يا محمد : إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ؛ فلا ينفع في رده حيلة ولا خدع . أو يقول الحق جل جلاله ، للمؤمنين ، تثبيتا لهم وتشجيعا لقلوبهم : ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين أن يعطى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين القويم إلا من تبع دينكم الحق ، وجاء به من عند الحق ، ولا تصدقوا أَوْ يُحاجُّوكُمْ في دينكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ، أو يقدر أحد على ذلك ، فإن الهدى هدى اللّه والفضل بيد اللّه ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل والكرم ، عَلِيمٌ بمن يستحق الخصوصية والفضل ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ كالنبوة وغيرها ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ؛ لا حصر لفضله ، كما لا حصر لذاته . الإشارة : يقول الحق - جلت ذاته ، وعظمت قدرته - لأهل الخصوصية : ولا تقروا بالخصوصية إلا لمن كان على دينكم وطريقكم ، وتزيّا بزيكم ، وبذل نفسه وفلسه في صحبتكم ، مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الخصوصية ، وهو ليس أهلا لها ، فيأخذها علما ، فإما أن يتزندق أو يتفسق ، أو يحاجوكم بالشريعة فيريق دماءكم ؛ كما وقع للحلاج رضي اللّه عنه وفي ذلك يقول الشاعر : ومن شهد الحقيقة فليصنها * وإلّا سوف يقتل بالسّنان كحلّاج المحبّة إذ تبدّت * له شمس الحقيقة بالتّدانى « 1 » وقال آخر : بالسّرّ إن باحوا تباح دماؤهم * وكذا دماء البائحين تباح

--> ( 1 ) البيتان : من قصيدة للشيخ محيي الدين بن عربى ، في كتابه : الإسراء إلى المقام الأسرى ، وفيه : ومن فهم الإشارة فليصنها .