ابن عجيبة
370
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقل أيها العارف ، لمن طلب الخصوصية قبل شروطها أو أنكر وجودها عند أهل شرطها : إن الهدى هدى اللّه يهدى به من يشاء ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، والرحمة - التي هي الخصوصية - في قبضة اللّه ، يخص بها من يشاء ، ( واللّه ذو الفضل العظيم ) ؛ فمن أراد الخصوصية فليطلبها من معدنها ، وهم العارفون بها ، فيبذل نفسه وفلسه لهم حتى يعرفوه بها . وباللّه التوفيق . ثم ذكر الحق - تعالى - وصف اليهود بالخيانة ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 75 إلى 76 ] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 76 ) قلت : الباء في ( بقنطار ) ، بمعنى على ، و ( يؤده ) : جواب الشرط مجزوم بحذف الياء ، ومن قرأ بإسكان الضمير فلأنه أقامه مقام المحذوف ، فجزمه عوضا عنه ، وقال الفراء : مذهب بعض العرب : يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها ، يقولون : ضربته ضربا شديدا . يقول الحق جل جلاله : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من أسلم وآمن فصار من أهل الإيمان ، إِنْ تَأْمَنْهُ على بِقِنْطارٍ من المال أو أكثر أداه إليك ، ولم يخن منه شيئا . وفي الحديث : « من ائتمن على أمانة فأداها ، ولو شاء لم يؤدها ، زوجه اللّه من الحور العين ما شاء » . وَمِنْهُمْ من بقي على دينه من أهل الخيانة والخسران ، إِنْ تَأْمَنْهُ على بِدِينارٍ فأقل لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً على رأسه ، مبالغا في مطالبته . نزلت في عبد اللّه بن سلام ، استودعه قرشي ألفا ومائتي أوقية ذهبا ، فأداها إليه ، وفي فنحاص بن عازوراء اليهودي ، استودعه قرشي آخر دينارا ، فجحده . وقيل : في النصارى واليهود ، فإن النصارى : الغالب عليهم الأمانة ، واليهود الغالب عليهم الخيانة . وذلك الاستحلال بسبب أنهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي : ليس علينا في شأن من ليسوا أهل كتاب ، ولم يكونوا على ديننا ، حرج في أخذ مالهم وجحدها ، ولا إثم ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم كاذبون ؛ لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم ، وقالوا : لم يجعل لهم في التوراة حرمة . وقيل : عامل اليهود رجالا من قريش ، فلما أسلموا تقاضوهم ، فقالوا : سقط حقكم حيث تركتم دينكم . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « كذب أعداء اللّه ، ما من شئ في الجاهلية إلّا وهو تحت قدمي ، إلّا الأمانة ؛ فإنها مؤداة إلى البر والفاجر » .