ابن عجيبة
357
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقال بعضهم : صدق المجاهدة : الانقطاع إليه من كل شئ سواه . فالانقطاع إلى اللّه في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر ، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر ، فكما أن عيسى عليه السّلام كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن اللّه ، كذلك من انقطع بكلّيته إلى اللّه أبرأ القلوب السقيمة بإذن اللّه ، وأحيا موتى القلوب بذكر اللّه ، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب ، يدل على طاعة اللّه ، ويدعو بحاله ومقاله إلى اللّه ، يهدى الناس إلى الصراط المستقيم ، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ولما تمت البشارة بعيسى عليه السّلام وظهر إلى الدنيا ، وبلغ وقت الدعوة ، بعثه اللّه إلى بني إسرائيل ، فكفروا به ، فلما تحقق كفرهم طلب من ينصره إلى اللّه ، كما أشار الحق تعالى إلى ذلك بقوله : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 52 إلى 54 ] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 53 ) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 54 ) قلت : ( من أنصارى إلى اللّه ) : الجار يتعلق بحال محذوفة ، أي : ذاهبا إلى اللّه إلى نصر دينه ، أو مضيفا نفسه إلى اللّه ، أو ملتجئا إلى اللّه ، أو يتعلق ب - ( أنصارى ) ؛ مضمّنا معنى الإضافة ، أي : من يضيف نفسه إلى اللّه في نصره . وحواري الرجل : خاصته ، الذين يستعين بهم في نوائبه ، وفي الحديث عنه - عليه الصلاة السلام - : « لكلّ نبي حواري ، وحواريى : الزّبير » . وحواريو عيسى : أصحابه الذين نصروه ، وسموا بذلك لخلوص نبيتهم ونقاء سريرتهم . والحور : البياض الخالص ، وكل شئ بيّضته فقد حوّرته ، ويقال للبيضاء من النساء : حوارية . وقيل : كان الحواريون قصّارين « 1 » ، يحوّرون الثياب ، أي : يبيضونها ، وقيل : كانوا ملوكا يلبسون البياض . يقول الحق جل جلاله : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى من بني إسرائيل الْكُفْرَ ، وتحققه تحقّق ما يدرك بالحواس ، بعد ما بعث إليهم ، وأرادوا قتله ، فرّ منهم واستنصر عليهم ، و قالَ مَنْ أَنْصارِي ملجئا إِلَى اللَّهِ ، أو ذاهبا إلى نصر دينه ، قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي : أنصار دينه ، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ علينا بأننا مُسْلِمُونَ ؛ لتشهد لنا يوم القيامة ، حين يشهد الرسل لقومهم ، رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ على نبيك من الأحكام ، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ عيسى عليه السّلام ، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ بوحدانيتك ، أو مع الذين يشهدون لأنبيائك
--> ( 1 ) القصار : المبيض للثياب ، وهو الذي يهيىء النسيج بعد نسجه ، ببلّه ودقه بالقصرة - التي هي القطعة من الخشب .