ابن عجيبة

358

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بالصدق ، أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم ، أو مع أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - فإنهم شهداء على الناس . قال عطاء : سلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى ، وآخر ما دفعته إلى الحواريين ، وكانوا قصّارين وصباغين ، فأراد معلّم عيسى السفر ، فقال لعيسى : عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان ، وقد علمتك الحرفة فاصبغها ، فطبخ جبّا واحدا ، وأدخل فيه جميع الثياب ، وقال لها : كونى على ما أريد ، فقدم الحوارى ، والثياب كلها في الجب ، فلما رآها قال : قد أفسدتها ، فأخرج عيسى ثوبا أصفر ، وأحمر ، وأخضر ، إلى غير ذلك ، فعجب الحوارى ، وعلم أنّ ذلك من اللّه تعالى ، ودعا الناس إليه ، وآمنوا به ، ونصروه ، فهم الحواريون . ولما أخرجه بنو إسرائيل عاد إليهم مع الحواريين ، وصاح فيهم بالدعوة ، فهمّوا بقتله ، وتواطئوا عليه ، وَمَكَرُوا أي : دبروا الحيل في قتله ، وَمَكَرَ اللَّهُ بهم ، أي : استدرجهم حتى قتلوا صاحبهم ، ورفع عيسى عليه السّلام ، فالمكر في الأصل : هو حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة . ولا تسند إلى اللّه إلا على حسب المقابلة والازدواج ، كقوله : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ ، وقوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ . أي : أشدهم مكرا ، وأقواهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب ، أو أفضل المجازين بالعقوبة ؛ لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه . تنبيه : قيل للجنيد رضى اللّه عنه : كيف رضى المكر لنفسه ، وقد عابه على غيره ؟ قال : لا أدرى ، ولكن أنشدني فلان للطبرانية : فديتك قد جبلت على هواك * ونفسي ما تحنّ إلى سواك أحبّك ، لا ببعضي بل بكلّى * وإن لم يبق حبّك لي حراكا ويقبح من سواك الفعل عندي * وتفعله فيحسن منك ذاك « 1 » فقال له السائل : أسألك عن القرآن ، وتجيبني بشعر الطبرانية ؟ قال : ويحك ، قد أجبتك إن كنت تعقل . إنّ تخليته إياهم مع المكرية ، مكر منه بهم . ه . قلت : وجه الشاهد في قوله : ( وتفعله فيحسن منك ذاك ) ، ومضمن جوابه : أن فعل اللّه كله حسن في غاية الإتقان ، لا عيب فيه ولا نقصان ، كما قال صاحب العينية : وكلّ قبيح إن نسبت لحسنه * أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمّل نقصان القبيح جماله * فما ثمّ نقصان ولا ثمّ باشع

--> ( 1 ) القصة ذكرها مختصرة أبو حيان في التفسير 2 / 496 مقتصرا على البيت الثالث .