ابن عجيبة
352
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « كمل من الرّجال كثير ولم يكمل من النّساء إلا مريم ابنة عمران ، وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد » . . . الحديث . قال ابن عزيز : أي : عالمي دهرها ، كما فضّلت خديجة وفاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على نساء أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، بل قال أبو عمر : فاطمة فضلت على جميع النساء ، وهو واضح ، لحديث : سيدة نساء أهل الجنة ، لكن جاء في حديث آخر استثناء مريم . فاللّه أعلم . وفي الاستيعاب : عن عمران بن حصين : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم عاد فاطمة ، وهي مريضة ، فقال : « كيف تجدك يا بنيّة ؟ » فقالت له : إني لوجعة ، وإنه ليزيدنى أنى مالي طعام آكله ، فقال : « يا بنيّة ، أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين » ، فقالت : يا أبت ، فأين مريم بنت عمران ؟ قال : « تلك سيدة نساء عالمها ، وأنت سيدة نساء عالمك ، واللّه لقد زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة » ه . من المحشى . يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ أي : أطيلى الصلاة شكرا لما اختصك به ، وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أي : صلّى مع المصلين ، وقدّم السجود على الركوع ، إما لكونه كذلك في شرعهم ، أو للتنبيه على أن الواو لا ترتب ، أو ليقترن ارْكَعِي بالراكعين ، للإيذان بأنّ من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا بمصلين . وقيل : المراد بالقنوت : إدامة الطاعة ، كقوله : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً ، وبالسجود : الصلاة ، لقوله : وَأَدْبارَ السُّجُودِ ، وبالركوع : الخشوع والإخبات . قاله البيضاوي . وقال الأوزاعي : لما قالت لها الملائكة ذلك ، قامت في الصلاة حتى تورمت قدمها وسالت دما وقيحا . الإشارة : لا يصطفى اللّه العبد لحضرته إلا بعد تطهيره من الرذائل ، وتحليته بأنواع الفضائل ، وقطعه عن قلبه الشواغل ، والقيام بوظائف العبودية ، وبالآداب مع عظمة الربوبية ، والخضوع تحت مجارى الأقدار ، والتسليم لأحكام الواحد القهار ، فأنفاس المريد ثلاثة : عبادة ، ثم عبودية ، ثم عبودة ، ثم يترقى إلى مطالعة علم الغيوب ، الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 44 ] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) يقول الحق جل جلاله ، لحبيبه صلّى اللّه عليه وسلم : ذلِكَ القصص الذي أطلعتك عليه ، هو مِنْ أخبار الْغَيْبِ الذي لم يكن لك به شعور ، وما عرفته إلا بوحينا وإعلامنا ، فلا يشك في نبوتك إلا مطموس أعمى ، ( و ) أيضا : ما