ابن عجيبة

353

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

كُنْتَ لَدَيْهِمْ أي : عندهم ، حين كانوا يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ لما اقترعوا ، أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ في كفالتها ، فتخبرهم عما شهدت ، بل لم يكن شئ من ذلك ، فتعين أن يكون وحيا حقيقا ، لأنه عليه الصلاة والسلام - كان أمّيّا لم يطالع شيئا من كتب الأخبار ، ولا جلس إلى من طالعهم من الأحبار ، بإجماع الخاص والعام . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن الوحي على أربعة أقسام : وحي منام ، ووحي إلهام ، ووحي أحكام ، ووحي إعلام ، وشاركت الأولياء الأنبياء في ثلاثة : الإلهام والمنام والإعلام ، إن كان بغير الملك ، ومعنى وحي إعلام : هو اطلاع اللّه النبىّ على أمور مغيبة ، فإن كان بواسطة الملك ، فهو مختص بالأنبياء ، كما اختصت بوحي الأحكام ، وأما إن كان بالإلهام أو بالمنام أو بالفهم عن اللّه ، فيكون أيضا للأولياء ، إذ الروح إذا تصفت وتطهرت من دنس الحس أطلعها اللّه على غيبه في الجملة ، وأما التفصيل فلا يعلمه إلا علام الغيوب . واللّه أعلم . ثم ذكر الحق تعالى البشارة بعيسى عليه السّلام ، وهو المقصود الأعظم من هذه القصص ؛ ليتخلص للرد على النصارى في زعمهم الفاسد فيه ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 45 إلى 51 ] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 ) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 ) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 47 ) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 48 ) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 49 ) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 50 ) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 )