ابن عجيبة
318
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : من قرأ : ( لا نفرق ) بالنون ، فعلى حذف القول ، أي : قالوا : لا نفرق ، ومن قرأ بالياء فيرجع إلى الكل ، أي : لا يفرق كل واحد منهم بين أحد من رسله ، و ( بين ) : من الظروف النسبية ، لا تقع إلا بين شيئين أو أشياء ، تقول : جلست بين زيد وعمرو ، وبين رجلين ، أو رجال ، ولا تقول بين زيد فقط ، وإنما أضيف هنا إلى أحد لأنه في معنى الجماعة ، أي : لا نفرق بين آحاد منهم كقوله عليه الصلاة والسلام : « ما أحلّت الغنائم لأحد ، سود الرؤوس ، غيركم » . و ( غفرانك ) : مفعول مطلق ، أي : اغفر لنا غفرانك . أو : نطلب غفرانك ، فيكون مفعولا به . يقول الحق جل جلاله : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ إيمان تحقيق وشهود ، وَالْمُؤْمِنُونَ كل على قدر إيقان ، كُلٌّ واحد منهم آمَنَ بِاللَّهِ على ما يليق به من شهود وعيان ، أو دليل وبرهان ، وآمن بملائكته وأنهم عباد مكرمون لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ، وَكُتُبِهِ وأنها كلام اللّه ، مشتملة على أمر ونهى ووعد ووعيد وقصص وأخبار ، ما عرف منها ؛ كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وجب الإيمان به بعينه ، ومالم يعرف وجب الإيمان به في الجملة ، وَرُسُلِهِ وأنهم بشر متصفون بالكمالات ، منزهون عن النقائص ، كما يليق بحالهم ، حال كون الرسول والمؤمنون قائلين لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أو : ( لا يفرق ) كل منهم بين أحد من رسله ؛ بأن يصدقوا بالبعض ، دون البعض كما فرقت اليهود والنصارى ، وَقالُوا أي المؤمنين سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي : سمعنا قولك وأطعنا أمرك ، نطلب غُفْرانَكَ يا ربنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ بالبعث والنشور ، وهذا إقرار منهم بالبعث الذي هو من تمام أركان الإيمان . فلمّا تحقق إيمانهم ، وتيقن إذعانهم ، خفّف اللّه عنهم بقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي : إلا ما في طاقتها وتسعه قدرتها . وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه . أما المحال العادي « 1 » فجائز التكليف به ، وأما المحال العقلي « 2 » فيمتنع ، إذ لا يتصور وقوعه ، وإذا كلف اللّه عباده بما يطيقونه ، فكل نفس لَها ما كَسَبَتْ من الخير فتوفى أجره على التمام ، وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من الشر ، فترى جزاءه ، إلا أن يعفو ذو الجلال والإكرام . وعبر في جانب الخير بالكسب ، وفي جانب الشر بالاكتساب ، تعليما للأدب في نسبة الخير إلى اللّه ، والشر إلى العبد . فتأمله . ثم قالوا في تمام دعائهم : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ، أي : لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريط أو قلة مبالاة ، وفي الحديث : « إنّ اللّه رفع عن أمتي الخطأ والنّسيان وما حدثت به نفسها » .
--> ( 1 ) المحال العادي : كرفع إنسان جبلا . ( 2 ) المحال العقلي : كالجمع بين الضدين .