ابن عجيبة
319
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ويجوز أن يراد نفس الخطأ والنسيان ؛ إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلا ، فإن الذنوب كالسموم ، فكما أن تناول السم يؤدى إلى الهلاك ، وإن كان خطأ - فتعاطى الذنوب لا يبعد أن يفضى إلى العقاب ، وإن لم يكن عزيمة ، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمة وفضلا . ويجوز أن يدعو به الإنسان ، استدامة واعتدادا بالنعمة فيه . ويؤيد ذلك مفهوم قوله - عليه الصلاة والسلام - : « رفع عن أمّتى الخطأ والنّسيان » ، أي : فإن غير هذه الأمة كانوا يؤاخذون به ، فدل على عدم امتناعه . قاله البيضاوي . ثم قالوا : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أي : عهدا ثقيلا يأصر ظهورنا ، أي : يثقله ، فتعذبنا بتركه وعدم حمله ، كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا مثل اليهود في تكليفهم بقتل الأنفس في التوبة ، وقطع موضع النجاسة ، وغير ذلك من التكاليف الشاقة ، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ من التكاليف التي لا تسعها طاقتنا ، وهذا يدل على جواز التكليف بما لا يطاق عادة ، وإلا لما سئل التخلص منه ، وَاعْفُ عَنَّا أي : امح ذنوبنا ، وَاغْفِرْ لَنا أي : استر عيوبنا ، وَارْحَمْنا أي : تعطف علينا . اعْفُ عَنَّا الصغائر ، وَاغْفِرْ لَنا الكبائر ، وَارْحَمْنا عند الشدائد والحسرات ، أَنْتَ مَوْلانا أي : سيدنا وناصرنا ، فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ؛ فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء . قال البيضاوي : ( روى أنه عليه الصلاة والسلام - لمّا دعا بهذه الدعوات قيل له : فعلت ) . وعنه عليه الصلاة والسلام : « أنزل آيتان من كنوز الجنة ، كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة ، من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل » . وعنه عليه الصلاة والسلام : « من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه » . وهو يردّ قول من استكره أن يقال سورة البقرة ، وقال : ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - : « السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها ؛ فإنّ تعلّمها بركة ، وتركها حسرة ، ولن يستطيعها البطلة . قيل : وما البطلة ؟ قال : السحرة » « 1 » . الإشارة : يفهم من سر الآية أن من شق عليه أمر من الأمور ، أو عسرت عليه حاجة ، أو نزلت به شدة أو بلية ، فليرجع إلى اللّه ، ولينطرح بين يدي مولاه ، وليعتقد أن الأمور كلها بيده ؛ فإن اللّه تعالى لا يخليه من معونته ورفده ، فيخفف عنه ما نزل به ، أو يقويه على حمله ، فإن الصحابة - رضي اللّه عنهم - لما شق عليهم المحاسبة على الخواطر سلّموا وأذعنوا لأمر مولاهم ، فأنزل عليهم التخفيف ، وأسقط عنهم في ذلك التكليف ، وكل من رجع في أموره كلها إلى اللّه قضيت حوائجه كلها باللّه . « من علامات النّجح في النهايات الرجوع إلى اللّه في البدايات » .
--> ( 1 ) قال الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي ، موفقا بن القائلين بكراهة أن يقال : سورة البقرة ، وقول الجمهور بجوازه : إنما المنع من ذلك كان في صدر الإسلام ، لما استهزأ سفهاء المشركين بسورة العنكبوت ونحوها ، فمنع ذلك دفعا للملحدين . ثم لما استقر الدين ، وقطع اللّه دابر القوم الظالمين ، شاع ذلك وساغ .