ابن عجيبة
317
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
كذا ؟ فيقول : يا رب ، أعرف ، فيوقفه على ذنبه ذنبا ، ذنبا فيقول اللّه تعالى : أنا الذي سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم » . فللّه الفضل والمنة ، وله الحمد والشكر . الإشارة : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم ) من الخواطر الردية والطوارق الشيطانية ، أو تخفوه في قلوبكم ، حتى يحول بينكم وبين شهود محبوبكم ، ( يحاسبكم به اللّه فيغفر لمن يشاء ) فيمحو ظلمته من قلبه ؛ بإلهام التوبة والمبادرة إلى اليقظة ، ( ويعذب من يشاء ) بتركه مع ظلمة تلك الأغيار ، وخوضه في بحار تلك الأكدار ، فما منع القلوب من مشاهدة الأنوار إلا اشتغالها بظلمة الأغيار ، فرّغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار ، فإن أردت أن تكون عين العين ، فامح من قلبك نقطة الغين ، وهي نقطة السّوى ، وللّه در القائل : إن تلاشى الكون عن عين كشفى * شاهد السرّ غيبه في بيانى فاطرح الكون عن عيانك وامح * نقطة الغين إن أردت تراني واعلم أن الخواطر أربعة : ملكي ورباني ونفساني وشيطانى ، فالملكى والرباني لا يأمران إلا بالخير ، والنفساني والشيطاني لا يأمران إلا بالشر ، وقد يأمران بالخير إذا كان فيه دسيسة إلى الشر ، والفرق بين النفساني والشيطاني : أن الخاطر النفساني ثابت لا يزول بتعوذ ولا غيره ، إلا بسابق العناية ، بخلاف الشيطاني : فإنه يزول بذكر اللّه ، ويرجع مع الغفلة عن اللّه . واللّه تعالى أعلم . ولمّا نزل قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ . . . الآية . شق ذلك على الصحابة - رضى اللّه عنهم - فجاء الصدّيق والفاروق وعبد الرحمن ومعاذ ، وناس من الأنصار ، فجثوا على الرّكب ، وقالوا : يا رسول اللّه ، ما نزلت علينا آية أشدّ من هذه الآية وإنا إن أخذنا بما نحدّث به أنفسنا هلكنا ! فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « هكذا نزلت » . فقالوا : كلفّنا من العمل ما لا نطيق ، فقال - عليه الصلاة والسلام : « فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل : سَمِعْنا وَعَصَيْنا ، قولوا : سمعنا وأطعنا » ، فقالوا : سمعنا وأطعنا ، وذلّت بها ألسنتهم ، فأنزل اللّه التخفيف ، وحكى ما وقع لهم من الإيمان والإذعان ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 285 إلى 286 ] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 285 ) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 286 )