ابن عجيبة

316

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الكاتمين فقال : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ؛ لا يخفى عليه ما تبدون وما تكتمون ، روى عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من كتم شهادة إذا دعى - كان كمن شهد بالزّور » . الإشارة : كما أمر اللّه تعالى بتقييد الديون الدنيوية ، والاعتناء بشأنها ، أمر بتقييد العلوم اللدنية والواردات القدسية والاغتباط بأمرها ، بل هي أولى ؛ لدوام ثمراتها وخلود نتائجها ، فإن الحكمة ترد على القلب من عالم القدس عظيمة كالجبل ، فإن أهملتها ولم تبادر إلى تقييدها ، رجعت كالجمل ، فإن أخرتها رجعت كالطير ، ثم كالبيضة ، ثم تمتحى من القلب ، وفي هذا المعنى قيل : العلم صيد والكتابة قيده * قيّد صيودك بالحبال الموثقه ومن الجهالة أن تصيد حمامة * وتتركها بين الأوانس مطلقه فإن لم يحسن الكتابة ، فليملله على من يحسنها ، ولا يبخس منه شيئا ، بل يمليه على ما ورد في قلبه ، فإن كان ضعيف العبارة ، فليملل عنه من يحسنها بالعدل ، من غير زيادة ولا نقصان في المعنى ، وليشهد عليها رجال أهل الفن وهم العارفون ، فإن لم يكونوا ، فمن حضر من الفقراء المتمكنين ؛ لئلا يكون في تلك الحكمة شئ من الخلل ؛ لنقصان صاحبها ، أو : وليشهد على ذلك الوارد عدلين ، وهما الكتاب والسنة ، فإن كان موافقا لهما ، قبل ، وإلا ردّ . قال الجنيد رضي اللّه عنه : إن النكتة لتقع في قلبي فلا أقبلها إلا بشهادة عدلين : الكتاب والسنة . ه . وإن كنتم مستعجلين ، ولم تجدوا كاتبا ، فارتهنوها في قلوب بعضكم بعضا ، حتى تقيد . ومن كتم الواردات عن شيخه أو إخوانه ، فقد أثم قلبه ؛ لأنه نوع من الخيانة في طريق التربية . واللّه تعالى أعلم . ثم هدّد الحق تعالى عباده ، على مخالفة ما أمرهم به ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 284 ] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 ) قلت : من قرأ ( فيغفر ) ؛ بالجزم ، فعلى العطف على الجواب ، ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف ، أي : فهو يغفر . يقول الحق جل جلاله : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا ، يتصرف فيهم كيف شاء ؛ يرحم من يشاء بفضله ، ويعذب من يشاء بعدله ، وَإِنْ تُبْدُوا أي : تظهروا ما فِي أَنْفُسِكُمْ من السوء والعزم عليه ، أَوْ تُخْفُوهُ في قلوبكم ، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يوم القيامة ؛ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ مغفرته ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يعجزه عذاب أحد ولا مغفرته . وعبّر الحق تعالى بالمحاسبة دون المؤاخذة ، فلم يقل : يؤاخذكم به اللّه ؛ لأن المحاسبة أعم ، فتصدق بتقرير الذنوب دون المؤاخذة بها ، لقوله - عليه الصلاة والسلام : « يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه ، فيقرره بذنوبه ، فيقول : هل تعرف