ابن عجيبة
306
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
شأنهم بيان الحق . إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ . واللّه تعالى أعلم . ثم رجع الحق تعالى إلى الترغيب في الصدقة والإخلاص فيها ، فقال : وَما تُنْفِقُوا . . . قلت : هذه ثلاث جمل كلها تدل على الترغيب في إنفاق الطيب وإخلاص النية . يقول الحق جل جلاله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ قليل أو كثير ، فهو فَلِأَنْفُسِكُمْ لا ينتفع به غيركم ، فإن كان طيبا فلأنفسكم ، وإن كان خبيثا فأجره لكم ، وإن مننتم به أو آذيتم فقد ظلمتم أنفسكم ، وإن أخلصتم فيه فلأنفسكم . وأيضا إنكم تدّعون أنكم ما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ ، فكيف تقصدون الخبيث ، وتجعلونه لوجه اللّه ؟ وكيف تمنّون أو تؤذون بها وهى لوجه اللّه ؟ هذا تكذيب للدعوى ، وكل ما تنفقون من خير قليل أو كثير يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه يوم القيامة بسبعمائة إلى أضعاف كثيرة ، ويخلفه لكم في الدنيا ، وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ شيئا من أعمالكم إن أخلصتم أو أحسنتم . وستأتي إشارتها مع ما بعدها . ثم بيّن المصرف ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 273 ] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 ) قلت : ( للفقراء ) : متعلق بمحذوف ، أي : يعطى ذلك للفقراء ، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء ، والإلحاف : هو الإلحاح في السؤال ، وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه ، وهو منصوب على المصدر أو الحال . يقول الحق جل جلاله : تجعلون ما تنفقونه لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا أي : حبسوا أنفسهم في سَبِيلِ اللَّهِ وهو الجهاد ، لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي : ذهابا في الأرض للتجارة أو للأسباب ، بل شغلهم الجهاد والتبتل للعبادة عن الأسباب ، وهم أهل الصّفّة ، كانوا نحوا من أربعمائة من فقراء المهاجرين ، يسكنون صفة المسجد ، يستغرقون أوقاتهم في العلم والذكر والعبادة ، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .