ابن عجيبة
307
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « وقف النبي صلى اللّه عليه وسلم يوما على أصحاب الصفة ، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم ، فقال : « أبشروا يا أصحاب الصفة ، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه ، راضيا بما فيه فإنه ، من رفقائى » . وقيل : المراد الفقراء مطلقا ، حصرهم الفقر عن الضرب في الأرض للتجارة ، يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ، أي : من أجل تعففهم عن السؤال ، تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ من الضعف ورثاثة الحال . الخطاب للرسول ، أو لكل أحد لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ، أي : لا يسألون ، وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا ، وقيل : نفى للأمرين معا ، أي : ليس لهم سؤال ، فيقع فيه إلحاف ، كقول الشاعر : على لا حب لا يهتدى بمناره « 1 » وليس ثمّ لا حب ولا منار ، وإنما المراد نفيهما ، وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « من سأل ، وله أربعون درهما ، فقد سأل إلحافا » . وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فيجازى على القليل والكثير ، وهذا ترغيب في الإنفاق ، وخصوصا على هؤلاء . الإشارة : ما أفلح من أفلح ، وخسر من خسر ، إلا من نفسه وفلسه ، فمن جاد بهما ، أو بأحدهما ، فقد فاز وأفلح وظفر بما قصد ، والجود بالنفس أعظم ، وهو يستلزم الجود بالفلس ، والجود بالفلس ، إن دام ، يوصل إلى الجود بالنفس ، والمراد بالجود بالنفس : إسلامها للشيخ يفعل بها ما يشاء ، وتكون الإشارة فيها كافية عن التصريح ، ومن بخل بهما أو بأحدهما ، فقد خسر وخاب في طريق الخصوص ، ومصرف ذلك هو الشيخ ، أو الفقراء المنقطعون إلى اللّه ؛ الذين حصروا أنفسهم في سبيل اللّه ، وهو الجهاد الأكبر . قال في القوت : وكان بعض الفضلاء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم ، فقيل له في ذلك ، فقال : لأن هؤلاء همهم اللّه عز وجل ، فإذا ظهر منهم فاقة تشتّت قلب أحدهم ، فلأن أرد همة واحد إلى اللّه أحب إلىّ من أن أعطى ألفا من غيرهم ممن همه الدنيا . فذكر هذا الكلام لأبى القاسم الجنيد ، فقال : هذا كلام ولى من أولياء اللّه . ثم قال : ما سمعت كلاما أحسن من هذا . وبلغني أن هذا الرجل اقتر حاله في أمر الدنيا
--> ( 1 ) هذا صدر بيت عجزه : ( إذا سافه العود النباطىّ جرجرا ) وهو من قصيدة لامرئ القيس . واللاحب : الطريق الواسع .