ابن عجيبة
305
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
في التطوع ، تفضل علانيتها بسبعين ضعفا . وأما الفريضة ففيها تفصيل ، فمن خاف على نفسه شوب الرياء أخفى أو نوّب ، ومن أمن أظهر . فقد ورد أن علانية الفريضة تفضل سرّها بخمسة وعشرين ضعفا ، فإن فعلتم ما أمرتم به في الوجهين ، فقد أحسنتم ، وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ أي : نستر عنكم بعض ذنوبكم ، وقد ورد في صدقة السر أن صاحبها يظله اللّه يوم لا ظل إلا ظله وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ؛ لا يخفى عليه من أسرّ أو جهر ، ومن أخلص أو خلط ، ففيه ترغيب وترهيب . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : معاملة العبد مع مولاه : إما أن تكون لطلب الأجور ، وإما لرفع الستور ، فالأول يعطى أجره من وراء الباب ، والثاني يدخل مع الأحباب . وأما العامل للدنيا فهو ظالم لنفسه ( وما للظالمين من أنصار ) ، وفي بعض الآثار : طالب الدنيا أسير ، وطالب الآخرة أجير ، وطالب الحق أمير . ثم الناس في معاملة الحق على أقسام ثلاثة : قسم يليق بهم الإخفاء والإسرار ، وهم طالبو الإخلاص من المريدين السائرين . وقسم يليق بهم الإظهار وهم أهل الاقتداء من العلماء المخلصين . وقسم لا يقفون مع ظهور ولا خفاء ، بل مع ما يبرز في الوقت ، وهم العارفون الكاملون . ولذلك قال الشيخ أبو العباس رضي اللّه عنه : ( من أحبّ الظهور فهو عبد الظهور ، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء ، ومن كان عبد اللّه فسواء عليه أظهره أم أخفاه ) . والهداية كلها بيد اللّه ، ليس لغيره منها شئ ، كما أبان ذلك الحق جل جلاله بقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 272 ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 ) يقول الحق جل جلاله لنبيه عليه الصلاة والسلام : لَيْسَ عَلَيْكَ يا محمد هُداهُمْ أي : لا يجب عليك أن تخلق الهداية في قلوبهم ، وليس من شأنك ذلك ، إنما أنت نذير تدلّ على الخير ، كالنفقة وغيرها ، وتنهى عن الشر كالمنّ والأذى ، وإنفاق الخبيث ، وغير ذلك من المساوئ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ بفضله وإحسانه ، فالأمور كلها بيد اللّه خيرها وشرها ، ولكن من جهة الأدب ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . وباللّه التوفيق . الإشارة : ما قيل في الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقال في ورثته من أهل التذكير ، فليس بيدهم الهداية والتوفيق ، وإنما شأنهم الإرشاد وبيان الطريق ، فليس من شأن الدعاة إلى اللّه الحرص على هداية الخلق . وإنما من