ابن عجيبة

294

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

اليقين إلى عين اليقين ، وقيل : لما قال للنمرود : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قال له : هل عاينت ذلك ؟ فلم يقدر أن يقول : نعم . وانتقل إلى حجة أخرى ، ثم سأل ربه أن يريه ذلك ؛ ليطمئن قلبه على الجواب ، إن سئل مرة أخرى ، فقال له الحق جل جلاله : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ بأنى قادر على الإحياء بإعادة التركيب والحياة ؟ وإنما قال له ذلك ، مع علمه بتحقيق إيمانه ؛ ليجيبه بما أجاب فيعلم السامعون غرضه ، قالَ إبراهيم عليه السّلام : بَلى آمنت أنك على كل شئ قدير ، وَلكِنْ سألتك لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ؛ إذ ليس الخبر كالعيان ، وليس علم اليقين كعين اليقين ، أراد أن يضم الشهود والعيان إلى الوحي والبرهان . قال له الحق جل جلاله : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ؛ طاووسا وديكا وغرابا وحمامة ، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمام ، فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ أي : اضممهن إليك لتتأملها وتعرف أشكالها ، لئلا يلتبس عليك بعد الإحياء أشكالها ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً أي : ثم جزّئهن ، وفرق أجزاءهن على الجبال التي تحضرك . قيل : كانت أربعة وقيل : سبعة ، ثُمَّ ادْعُهُنَّ وقل لهن : تعالين بإذن اللّه ، يَأْتِينَكَ سَعْياً أي : ساعيات مسرعات ، روى أنه أمر أن يذبحها وينتف ريشها ، ويقطعها ويخلط بعضها ببعض ، ويوزعها على الجبال ، ويمسك رءوسها عنده ، ثم يناديها ، ففعل ذلك ، فجعل كل جزء يطير إلى الآخر ويلتئم بصاحبه حتى صارت جثثا ، ثم أقبل إليه فأعطى كل طير رأسه فطار في الهواء . فسبحان من لا يعجزه شئ ، ولا يغيب عن علمه شئ ، ثم نبه إلى التفكر في عجائب قدرته وحكمته فقال : وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شئ ، حَكِيمٌ ذو حكمة بالغة فيما يفعل ويذر . الإشارة : من أراد أن تحيا روحه الحياة الأبدية ، وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين ، فلا بد أن تموت نفسه أربع موتات : الأولى : تموت عن حب الشهوات والزخارف الدنيوية ، التي هي صفة الطاووس . الثانية : عن الصولة والقوى النفسانية ، التي هي صفة الديك . الثالثة : عن خسة النفس والدناءة وبعد الأمل ، التي هي صفة الغراب . الرابعة : عن الترفع والمسارعة إلى الهوى المتصف بها الحمام . فإذا ذبح نفسه عن هذه الخصال حييت روحه ، وتهذبت نفسه ، فصارت طوع يده ، كلما دعاها إلى طاعة أتت إليها مسرعة ساعية . وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو الحسن الشاذلي بقوله في حزبه الكبير : ( واجعل لنا ظهيرا من عقولنا ومهيمنا من أرواحنا ، ومسخرا من أنفسنا ، كي نسبحك كثيرا ، ونذكرك كثيرا ، إنك كنت بنا بصيرا ) .