ابن عجيبة
295
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولما كانت حياة الروح متوقفة على أمرين : بذل النفوس ، ودفع الفلوس وقدم الإشارة إلى الأول بقوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أشار إلى الثاني بقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 261 إلى 262 ] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 262 ) قلت : ( مثل الذين ) : مبتدأ ، و ( كمثل ) : خبر ، ولا بد من حذف مضاف ، إما من المبتدأ أو الخبر ، أي : مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة ، أو مثل الذين ينفقون كمثل باذر حبة . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله في التحريض على النفقة في سبيل اللّه : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي : يتصدقون بها في سبيل اللّه ، كالجهاد ونحوه ، كَمَثَلِ زارع حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ له سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ، فالمجموع سبعمائة . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « الحسنة بعشر أمثالها ، إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة » . وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز ، والمنبت هو اللّه ، وهذا مثال لا يقتضى الوقوع ، وقد يقع في الذرة والدخن « 1 » في الأرض الطيبة ، بحيث تخرج الحبة ساقا يتشعب إلى سبع شعب ، في كل شعبة سنبلة ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ تلك المضاعفة لِمَنْ يَشاءُ بفضله ، على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه ، وبحسبه تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب ، وَاللَّهُ واسِعٌ لا يضيق عليه ما يتفضل به من الثواب ، عَلِيمٌ بنية المنفق وقدر إنفاقه . ثم ذكر شرطين آخرين في قبول النفقة ، فقال : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً . المن : أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه ؛ بحيث يقول : أنا فعلت معه كذا ، وكذا إظهارا لميزته عليه . والأذى : أن يتطاول عليه بذلك . ويقول : لولا أنا لم يكن منك شئ ، مثلا . فمن فعل هذا فقد ذهبت صدقته هباءا منثورا ، ومن سلم من ذلك ، وأنفق ماله ابتغاء وجه الله ف - لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . وقال زيد بن أسلم رضي اللّه عنه : إذا أعطيت أحدا شيئا وظننت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه . ه .
--> ( 1 ) الدخن : نبات عشبي من النجيليات ، حبه صغير أملس ، كحب السمسم ، ينبت بريا ومزروعا .