ابن عجيبة

288

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فيلقى اللّه باللّه دون شئ سواه ، والجاحدون لهذا هم الظالمون لأنفسهم ، حيث اعتمدوا على أعمالهم فلقوا اللّه بالصنم الأعظم . والحىّ القيوم الكبير المتعال غنى عن الانتفاع بالأعمال . وباللّه التوفيق . ومن عرف أنه الحي الذي لا يموت توكل عليه . قال تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ . والتعلق به : استمداد حياة الروح بالعلم والمحبة الكاملة . ومن عرف أنه الحي القيوم وثق به ، ونسي ذكر كل شئ بذكره ، ولم يشاهد غيره بمشاهدة قيوميته . والتعلق به استمداد معرفة قيوميته حتى يستريح من نكد التدبير ، والتخلق به بأن تكون قائما على ما كلّفت به من أهل وولد ونفس ومال ، وكلّ من تعلق بك من النساء والرجال . ولمّا وصف الحىّ تعالى نفسه بأوصاف الكمال من الكبرياء والعظمة والجلال ، وكانت شواهد ذلك ظاهرة في خلقه حتى تبيّن الحق من الباطل ، بيّن ذلك بقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 256 ] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 ) قلت : ( الرشد ) : مصدر رشد ، بالكسر والضم ، رشدا ورشادا ، و ( الغى ) : مصدر غوى ، إذا ضلّ في معتقده ، و ( الطاغوت ) : فعلوت من الطغيان ، وأصله : طغيوت ، فقلبت لام الكلمة لعينها فصار طيغوت ، ثم قلبت الياء ألفا . وهو كل ما عبد من دون اللّه راضيا بذلك ، و ( العروة ) : ما تستمسك به اليد عند خوف الزل كالحبل ونحوه ، ووثوقها : متانتها ، وانفصامها أن تنفك عن موضعها ، وأصل الفصم في اللغة : أن ينفك الخلخال ونحوه ولا يبين ، فإذا بان فهو القصم - بالقاف - وهو هنا استعارة للدّين الصحيح . يقول الحق جلّ جلاله في شأن رجل من الأنصار ، تنصّر ولداه قبل البعثة فلما جاء الإسلام قدما إلى المدينة فدعاهما أبوهما إلى الإسلام فامتنعا ، فلزمهما أبو هما وقال : واللّه لا أدعكما حتى تسلما ، فاختصموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، فهو خبر بمعنى النهى ، أي : لا تكرهوا أحدا على الدخول في الدين . وهو خاص بأهل الكتاب . قال البيضاوي : إذ الإكراه في الحقيقة هو : إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا ، ولكن قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي تميز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة ، ودلت الدلائل على أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية ، والكفر غىّ يوصل إلى الشقاوة السرمدية . والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان طلبا للفوز بالسعادة والنجاة ، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء . ه .