ابن عجيبة

285

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : اللَّهُ الواجب الوجود لا يستحق العبادة غيره ، فمن عبد غيره فقد أتى بظلم عظيم الْحَيُّ أي : الدائم بلا أول ، الباقي بلا زوال ؛ الذي لا سبيل عليه للموت والفناء ، الْقَيُّومُ أي : دائم القيام بتدبير خلقه في إيصال المنافع ودفع المضار ، وجلب الأرزاق وأنواع الارتقاء ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ السنة : ما يتقدم النوم من الفتور ، والنوم : حالة تعرض للإنسان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة ، فتقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا . وتقديم السنّة عليه ، على ترتيب الوجود ، كقوله تعالى : وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً ، وجمع بينهما ؛ لأنه لو اقتصر على نفى السنّة عنه لتوهم أن النوم يغلبه لأنه أشد ، ولو اقتصر على نفى النوم لتوهم أن السنة تلحقه لخفتها . والمراد تنزيهه تعالى عن آفات البشرية ، وتأكيد كونه حيا قيوما ، فإن من أخذه نعاس أو نوم يكون مؤوف « 1 » الحياة ، قاصرا في الحفظ والتدبير . ولذلك ترك العطف فيه وفي الجمل التي بعده ؛ لأنها كلها مقررة له ، أي : للحى للقيوم . وقد ورد أنه اسم اللّه الأعظم ، وقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة - رضي اللّه عنها : « ما منعك أن تسمعي ما أوصيك به تقولين إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي يا قيّوم ، برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كلّه ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين » . رواه النسائي . وأخرج مسلم عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال : « قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بخمس كلمات قال : إنّ اللّه عزّ وجلّ لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه . يرفع إليه عمل اللّيل قبل عمل النّهار وعمل النّهار قبل عمل اللّيل ، حجابه النّور - وفي رواية . النّار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه » . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هذا تقرير لقيوميته تعالى ، واحتجاج على تفرده في الألوهية . والمراد بما فيهما : ما هو أعمّ من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما ، المتمكنة فيهما ، من العقلاء وغيرهم ، فهو أبلغ من ( له السماوات والأرض وما فيهن ) ، يعنى : أن اللّه يملك جميع ذلك من غير شريك ولا منازع ، وعبر ب - ( ما ) تغليبا للغالب .

--> ( 1 ) أف الطعام أوفا وآفة : فسد ، والبلاد : أصابتها آفة من قحط أو مرض أو غيرهما .